أداء النشيد الوطني بـ IA بين الاستعمال المشروع وخصوصية البروتوكول في مهرجان ciné plage Harhoura
بقلم نادية الصبار
مديرة موقع دنا بريس
تفتح الطفرة التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، آفاقاً غير مسبوقة للابتكار والإبداع الفني، محفزة المؤسسات الثقافية والتظاهرات السينمائية على مجاراتها ومساءلة آثارها المستقبلية. غير أن هذا التوجه المحمود نحو مواكبة التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي، سرعان ما يصطدم بتحديات دقيقة حين يُقحم التقنية في نطاق الرموز ومقدسات الدولة.
وفي هذا السياق المزدوج، الذي يتقاطع فيه الطموح التكنولوجي بالحس الوطني، تأتي واقعة أداء النشيد الوطني المغربي بتقنية الذكاء الاصطناعي في حفل افتتاح الدورة السابعة لمهرجان “سيني-بلاج الهرهورة”، لتثير جدلا حول الحدود الفاصلة بين التوظيف التقني (لا سيما وأن أحد تيمتي المهرجان كانت حول السينما والذكاء الاصطناعي)، وبين ضرورة الامتثال للأعراف البروتوكولية الصارمة التي تحكم الرموز الوطنية.
فإلى أي حدّ يجوز اتخاذ التحديث الرقمي مسوغاً للتصرف في أداء النشيد الوطني؟ وكيف يُمكن التوفيق بين التوظيف التقني مع الحفاظ على وقار وهيبة الدولة، ولحظة حماس منفلتة للإبداع وإقحام IA لحظة تقديم النشيد الوطني خلال افتتاح الفعالية.
الجذور التاريخية والأبعاد السيادية للأناشيد الوطنية
تضرب الأناشيد الوطنية بجذورها في التاريخ الحديث للدول؛ إذ نشأت وتطورت بالتزامن مع تبلور مفهوم الدولة القومية وبروز الشعور بالاستقلال والسيادة. ولم تكن هذه الأناشيد وليدة الصدفة، بل كانت غالباً استجابة لمحطات تاريخية وملحمية.
وفي هذا السياق، يبرز الكاتب أحمد عبد الباري في مقالة له على جريدة “هسبريس” الإلكترونية، بعنوان “النشيد الوطني.. ترانيم الهوية وصدى الوحدة الوطنية”، ليُؤكد هذا البعد العميق بالإشارة إلى أن الأناشيد الوطنية نشأت من رحم النضال والتحرر، وأصبحت رمزًا للوحدة والكرامة الوطنية، وتعكس قصص البطولات والتضحيات التي قدمها الأجداد من أجل الحرية والاستقلال في كل نغمة ونبرة.
وفي النموذج المغربي، يُجسد “النشيد الشريف” هذا التلاحم التاريخي بين النضال والتعبير الفني. فقد وُضع لحنه المعتمد سنة 1952 على يد الضابط والموسيقار الفرنسي ليّو مورغان (Léo Morgan)، رئيس الموسيقى بالحرس الملكي آنذاك، واعتُمد رسمياً موسيقياً بعد استقلال المملكة سنة 1956. غير أن اكتمال رمزيته النصية لم يتحقق إلا في بداية سبعينيات القرن الماضي عبر مسار مؤسساتي وثقافي دقيق.
وقد كشف أحمد عبد الباري في مقالة أخرى على ذات الجريدة “هسبريس” بعنوان “منبت الأحرار.. كتاب يكشف دوافع علي الصقلي في نظم النشيد الوطني”، استناداً إلى كتاب الباحث مصطفى الجوهري الصادر عن منشورات “النادي الجراري”، تفاصيل هذا الميلاد؛ حيث جاء نظم كلماته أواخر ستينيات القرن الماضي بإيعاز ملكي من الراحل الحسن الثاني، وبفتح مباراة أشرفت عليها وزارة الشباب والرياضة لمطابقة النظم مع اللحن المعتمد.
ويورد المقال كيف خضع نص الشاعر الراحل علي الصقلي الحسيني لتقييم لجنتين رفيعتي المستوى: الأولى تضم كبار الموسيقيين (كأحمد البيضاوي، وعبد القادر الراشدي، وعبد الوهاب أكومي)، والثانية تضم قامات فكرية وأدبية (كمحمد الفاسي، ومحمد المكي الناصري، والحاج محمد اباحنيني، وعبد الهادي بوطالب)، وصولاً إلى الملاحظة الملكية الدقيقة للمغفور له الملك الحسن الثاني الذي اقترح اعتماد عبارة: “ذِكْرُ كُلِّ لِسَانْ” عوضاً عن “عِطْرُ كُلِّ لِسَانْ”.
فهذه المحطات إذا؛ تُظهر أن النشيد الوطني المغربي لم يكن نتاج لحظة عابرة، بل هو بناء سيادي وثقافي متكامل اجتمعت فيه الإرادة الوطنية مع التدقيق الأدبي والفني، مما يمنحه حصانة معنوية تجعل أي تصرف في أدائه يخضع لحسابات الوقار والرمزية.
الأعراف والبروتوكولات.. قواعد الوقار الدولي
إذا كانت التشريعات القانونية في كثير من الدول تُفرد نصوصاً خاصة لحماية العلم والشعار، فإن الأناشيد الوطنية تحكمها – إلى جانب المبادئ العامة – أعراف وتقاليد بروتوكولية دولية مستقرة.
وتستند هذه البروتوكولات المعمول بها في المحافل الرسمية والدبلوماسية والرياضية والعسكرية إلى قواعد تنظيمية وأخلاقية مستقرة، يتقاطع فيها الالتزام بالصيغة واللحن المعتمدين مع ضرورة الابتعاد عن أي تعديل جوهري في الإيقاع أو التوزيع الموسيقي الأصلي.
كما تشترط هذه الضوابط أداء النشيد بسرعة متزنة تُبرز جلال الرمز الوطني وهيبته ووقاره، حمايةً له من التسريع المفرط أو التوزيعات التي قد تجرّه إلى القوالب الترفيهية والاستعراضية، وصولاً إلى استحقاق السلوك المصاحب لعزفه والذي يفرض الوقوف بسكون ووقار كالتزام سيادي يعكس التقدير الواجب للدولة ورموزها.
الذكاء الاصطناعي وواقعة “سيني-بلاج الهرهورة”.. حدود التوظيف الرقمي
شهدت الدورة السابعة لمهرجان “سيني-بلاج الهرهورة”، المنظمة بشاطئ سيد العابد تحت إشراف الجمعية المغربية للفن بلا حدود ورئاسة المخرج عبد الواحد مجاهد، تجربة أثارت نقاداً وفنانين؛ تمثلت في تقديم النشيد الوطني في حفل الافتتاح باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن المهرجان خَصص ضمن برنامجه ندوة فكرية حول “السينما والذكاء الاصطناعي: أي مستقبل؟” رهانا من إدارته على الانفتاح على التكنولوجيا والتقنية ومواكبتها، إلا أن اتخاذ التقنية تيمة للمهرجان لا يمنح الإدارة حق التصرف في الرمز السيادي. وقد أدت المخرجات الصوتية للنشيد – والتي اتسمت بنبرة اصطناعية عالية وبسرعة أفقدته طابعه المعتاد – إلى فتح باب التقييم البروتوكولي والفني.
وإذا كان لا يوجد نص قانوني صريح في التشريع المغربي يمنع استخدام الذكاء الاصطناعي في بث أو أداء النشيد الوطني، كما لا يوجد نص يجيزه بوضوح، فإن التعاطي مع الواقعة يقتضي الابتعاد عن إطلاق أحكام قانونية قاطعة من قبيل أن الفعل مخالف للقانون. لذلك يمكن القول إن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في أداء النشيد الوطني لا يشكل بالضرورة خرقاً لنص تشريعي محدد، ولكنه يثير تساؤلات جادة حول مدى انسجامه مع الأعراف والبروتوكولات المستقرة والثابتة التي تُوجب الحفاظ على الوقار والهيبة السيادية للرمز الوطني، لا سيما إذا أدى التوزيع التقني إلى تغيير طبيعة الصوت أو الإيقاع المعتمد.
وإجمالا؛ يمكن القول أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات هائلة في ترميم التسجيلات الصوتية التاريخية وتحسين الجودة الأوركسترالية والمعالجة الصوتية، وهو استخدام مشروع ومحمود تقنياً. بيد أن الحدود الفاصلة بين التجديد التقني والمساس بالرمزية تظل مرهونة بمراعاة الجوهر السيادي للأناشيد الوطنية.
فالأناشيد التي اختزلت مسارات نضالية وأسهم في تدقيقها فطاحل الفكر والموسيقى، يجب أن تظل بعيدة عن التجارب التي قد تُفقدها جلالها. فالإبداع الفني وحرية الاستعمال للتقنيات الحديثة، على سعة أفقيهما، يتوقفان عند حدود الرموز التي تمثل القاسم المشترك لهوية الأمة ووجدانها الجمعي، مما يجعل الحفاظ على هيبة النشيد الوطني وهويته الصوتية المعتمدة واجباً بروتوكولياً وأخلاقياً يتقدم على كل محاولات التجريب الفني أو التقني في الفضاءات العامة.