الله يجعل عذرنا شتا.. هل تكفي السياسة لتفسير أزمة الإعلام؟!
الكاتبة الصحافية نادية الصبار
تحضر عبارة “الله يجعل عذرنا شتا” في الموروث الشفهي باعتبارها واحدة من أكثر الأمثال بلاغة في توصيف الميل إلى إرجاع الإخفاقات إلى عوامل خارجية، والبحث عن مبررات تخفف وطأة المساءلة. فهي لا تحيل إلى الأمطار “الشتا” بقدر ما تحيل إلى ثقافة تفسير تُعلّق المسؤولية على الظروف، وتُبعد النظر عن مواطن الخلل الكامنة في الممارسة ذاتها.
ولعل هذا التفسير تجاوز الخطاب اليومي وامتد إلى بعض القراءات التي تجعل العامل الخارجي مفتاحاً شبه وحيد لفهم ظواهر مركبة، رغم أن طبيعة البحث العلمي تقتضي تفكيك الظاهرة في مختلف أبعادها، وإخضاع جميع الفاعلين، بمن فيهم الباحث نفسه إذا كان جزءاً من موضوع الدراسة، للمساءلة النقدية ذاتها.
في هذا السياق، استوقفني التصريح الذي أدلى به الإعلامي والنقابي والكاتب العام السابق للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، والرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة، يونس مجاهد، عقب مناقشة أطروحته لنيل الدكتوراه بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، الموسومة بـ«تشكل الحقل الصحافي المغربي من منظور الفاعلين». وبداية أقول أن هذه المقالة لا تتناول الأطروحة في ذاتها، إذ لم أطلع على متنها، وإنما تنطلق من التصريح الذي أدلى به وما كتب هنا وهناك، وما تضمنه هذا التصريح من خلاصات وضعت السياسة في صدارة تفسير تعثر الصناعة الإعلامية المغربية.
فمن هذا التصريح تحديداً تنطلق هذه القراءة، لا من مناقشة العمل الأكاديمي نفسه. ومن بين أكثر العبارات التي استوقفتني قوله: “بلا ما نقول أزمة باش ما نكبرش الموضوع… مشاكل وصافي”. وقد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد اختيار لغوي، لكنه يثير سؤالاً منهجياً مشروعاً. ففي البحث الأكاديمي، لا تُختار المفاهيم بدافع التخفيف أو الملاءمة، وإنما وفق ما تفرضه المؤشرات العلمية.
فإذا كانت الصحافة المغربية تعرف تراجعاً في المقروئية، وانهياراً في نماذج التمويل التقليدية، وتحولات جذرية فرضتها البيئة الرقمية، فإن توصيف هذه الوضعية ينبغي أن يخضع لمعايير البحث العلمي، لا لانطباع شخصي أو لحكم قيمي يحاول صاحبه تخفيف لهجته والتقليل من هول الأزمة. فالباحث مطالب بتوصيف الظاهرة كما هي، استناداً إلى معطيات دقيقة، لا بانتقاء تعبير يتيح له القول أو عدم القول، أو اعتماد وصف لا تعضده الوقائع.
قد لا يختلف اثنان حول تأثير السياسة في المجال الإعلامي، فهي عنصر حاضر في مختلف الأدبيات السوسيولوجية والسياسية. غير أن تقديمها باعتبارها المدخل التفسيري الرئيس لتعثر الصناعة الإعلامية يثير أسئلة مشروعة. فإذا كان الحقل الصحافي يتشكل، كما يوحي عنوان الأطروحة، من خلال تفاعل الفاعلين داخله، فأين موقع هؤلاء الفاعلين في تفسير الأزمة؟ أين مسؤولية المقاولات الإعلامية؟ وأين دور التنظيمات المهنية والنقابية؟ وأين حصيلة المؤسسات التي أوكل إليها تدبير الشأن المهني، وفي مقدمتها المجلس الوطني للصحافة منذ سنة 2018؟ وهل يمكن قراءة أزمة مركبة من خلال تأثير السياسة وحدها، دون مساءلة اختيارات الفاعلين أنفسهم؟! بل؛ هل نالت اختيارات هؤلاء الفاعلين وتحملهم للمسؤولية القدر نفسه من التحليل الذي ناله العامل السياسي؟
إن اختزال أزمة مركبة في متغير واحد، مهما بلغت أهميته، لا يعكس التعقيد الحقيقي للصناعة الإعلامية، التي تتداخل فيها عوامل اقتصادية وتكنولوجية ومهنية وسوسيولوجية وتشريعية وسياسية وتدبيرية كذلك في آن واحد.
وتبرز هنا إشكالية منهجية لا تقل أهمية. فالأستاذ يونس مجاهد لا يتحدث عن حقل ظل بعيداً عنه، بل عن مجال كان أحد أبرز فاعليه لعقود. فقد تولى مسؤوليات نقابية ومؤسساتية كبرى، من قيادة النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى رئاسة الاتحاد الدولي للصحفيين، ثم رئاسة أول تجربة للتنظيم الذاتي للمهنة عبر المجلس الوطني للصحافة.
ولا يشكل هذا المعطى، في حد ذاته، مأخذاً أكاديمياً، فكثير من الباحثين يدرسون حقولاً كانوا جزءاً منها أو مارسوا العمل داخلها. غير أن هذا الموقع يفرض، وفق مناهج البحث الحديثة، جهداً مضاعفاً لإثبات المسافة النقدية، والإفصاح عن حدود الموقع الذاتي، وإخضاع الذات للمساءلة بالقدر نفسه الذي تُخضع فيه العوامل الخارجية للتحليل.
وإذا كانت التصريحات التي قدمها تعكس بالفعل الخلاصات التي انتهى إليها بحثه، فإن من المشروع التساؤل: إلى أي حد حظيت مسؤولية الفاعلين المهنيين، وآليات التدبير، والاختيارات المؤسساتية، بالقدر نفسه من التحليل والنقد؟ وهل نالت التجربة التي قادها الفاعلون داخل الحقل الإعلامي، وفي مقدمتها تجربة المجلس الوطني للصحافة، نصيبها من المساءلة؟ أم أن التفسير انتهى إلى منح السياسة موقع الفاعل الأكثر حضوراً، على حساب بقية العوامل والمسؤوليات التي أسهمت بدورها في تشكيل واقع الإعلام المغربي؟
لقد تأسس المجلس الوطني للصحافة على فلسفة الاستقلالية والتنظيم الذاتي، باعتباره تجربة مهنية يُفترض أن تدير شؤون القطاع بعيداً عن التدخل المباشر. غير أن التجربة عرفت، خلال سنواتها، نقاشات مهنية حادة، وخلافات تنظيمية، وملفات تأديبية أثارت جدلاً واسعاً، قبل أن تنتهي إلى اعتماد صيغة تدبيرية مؤقتة، وهو ما فتح باباً للنقاش حول حصيلتها وأسباب تعثرها.
وفي هذا السياق، يبدو من المشروع التساؤل عما إذا كان يمكن رد هذه الحصيلة إلى السياسة وحدها، أم أن خيارات التدبير، وآليات اتخاذ القرار، ومسؤولية النخب المهنية التي أدارت التجربة، تشكل بدورها جزءاً من التفسير. فالتحليل العلمي لا يكتمل إلا عندما يوزع المسؤولية بين مختلف الفاعلين والمتغيرات، دون أن يمنح أحدها احتكار تفسير الظاهرة.
ليست القضية في إنكار أثر السياسة، ولا في نفي تأثيرها على الإعلام؛ فهذا أمر تؤكده تجارب عديدة. لكن تحويلها إلى شماعة لتعليق الأزمة أو اختزالها في مفتاح تفسيري شبه وحيد يغفل حقيقة أن الأزمات المهنية كثيراً ما تُصنع أيضاً من داخل المؤسسات، بفعل أنماط التدبير، وضعف الابتكار، وتراجع الحكامة، والعجز عن مواكبة التحولات.
ولهذا، فإن قوة البحث الأكاديمي لا تقاس بقدرته على الدفاع عن فرضية بعينها، وإنما بقدرته على اختبارها في مواجهة الوقائع كافة، بما فيها تلك التي قد تُحمّل الباحث، أو الفاعلين الذين ينتمي إليهم، جزءاً من المسؤولية.
فالسياسة ليست خارج المعادلة، لكنها ليست المعادلة كلها. وإذا كان المثل الشعبي يقول: “الله يجعل عذرنا شتا”، فإن البحث العلمي لا يقوم على البحث عن شماعة نعلّق عليها الإخفاقات، بل على مساءلة الأسباب جميعها، الداخلية منها والخارجية، بالقدر نفسه من الصرامة والحياد. فكلما اتسعت زاوية النظر، اقترب البحث من المعرفة، وابتعد عن التفسير الأحادي الذي يختزل أزمة مركبة في عامل واحد، مهما بلغت أهميته، أو يمنح متغيراً واحداً سلطة تفسير ما تعجز عن تفسيره بقية المعطيات.