نادية الصبار تكتب.. الحبر المختوم
لطالما آمنت بأن الألم وقود الإبداع، إلا أنه إذا اشتد وبلغ منتهاه، لا يغدو مُلهِمًا كما يُشاع. نحاول أن نسوقه إلى باحة الإلهام سوقًا فنعجز؛ ترتجف الأنامل، فتسقط الأقلام جافةً من غير مداد، لأن بعض الأوجاع أكبر من أن تتحول إلى كلمات.
صاح في وجهها ذات غضب: أنتِ أمٌّ على الورق! فانهارت كل الأوراق.. ففي تلك الثواني الخاطفة لم يسقط كبرياء امرأة، بل تهاوى تاريخ، وتلاشت روزنامة ذكريات. وضاعت في زحمة الكلام كل أوراق الربيع قبل الخريف، وأوراق الصيف قبل أن يحل الشتاء.
كيف له أن ينكرها من الوجود ويختزلها في اسمٍ على دفتر الحياة؟ كيف لجملة طائشة أن تسحب من أمٍّ تاريخًا كاملًا من العطاء؟ كيف لعشرين عامًا أن تصير حبرًا على ورق؟
ماذا عن الليالي الطوال التي كانت تشتعل فيها حُمّاه، فترتعد فرائص قلبها قبل جسده، وتظل متسمرة عند سريره تصلي وتدعو، وتتوسل الله عز وعلا أن يتشافى ويتعافى؟
ماذا عن صرخة المخاض الأولى؟ ماذا عنها حين حملته كُرهًا ووضعته كُرهًا؟ وحَمَلَتْه وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ولم يشكر لربه ولا لوالديه، ونسي أن ربه قال: “ووصينا الإنسان بوالديه”.
ماذا عن روابط الحب الأولى؟ ماذا عن الحبل السري؟ إنه أكثر من حبل بيولوجي، إنه الحبر المختوم! فكيف له أن يُقطع مرتين؟ مرة عند الولادة والفِطام، ومرة أخرى لعلها حالة فصام!
كيف لمن كان نطفة فعلقة فمضغة فكسا الله عظامها لحمًا داخل أحشائها أن يقطع الوريد؟! ماذا عن صدر تورمت حلمات أثدائه رحمة وشفقة وعطفًا ومحبة، حتى سرت ذبذبات هذا الحب في العروق والأوردة فتفجرت عيونًا ماؤها “عذب حليب”؟!
كيف للحب، كيف للعطاء، كيف للسخاء أن يتبدد بجرة قلم؟
ماذا عن أحجيات المساء؟ وعن قصص الصباح التي نسجتها من خيوط خيال لتلوّن عوالمه؟
ماذا عن أصابعها التي كانت تمشط خصلات شعره كأنها تغزل الأمان، وتعزف سمفونية الحب والسلام؟!
وفي غمرة أسئلة بلا أجوبة، صمتت؛ ليس لأن الصمت حكمة، بل لأن المداد جفّ تمامًا كما تنبأت، وسقطت آخر الأوراق.. ومع ذلك، انحنت لتلملم ذات أوراقٍ، صفراء، باهتة جدًا، لكنها كل ما تبقى لها. تحاول أن تمسح بها اللعنة حتى لا تطرده من روضتها، فلا زال الحبل السري —ذاك الحبر المختوم— عالقًا؛ فلم ولن تكون أمًا على الورق. وستدعو الله كثيرًا وهي تمسد حلمتيها لتستحضر لحظات الرضاعة الأولى، فيدبّ في قلبها المنكسر العطف والرحمة كما كان من قبل صغيرًا.