فريق طلابي يكتب عن حرب السرديات.. كيف يعيد الإعلام تشكيل واقع المواجهة بين واشنطن وطهران؟
تقرير أنجزه فريق طلابي بمعهد epag يتكون من كنزة البخاري، وصال عجلاوي، فاطمة الزهراء ايت اوعدي وعثمان برباش، تحت إشراف نادية الصبار، أستاذة مكونة في مادة تحليل وتطور الأحداث.
في الوقت الذي تتواصل فيه الدعوات الدولية والمساعي الدبلوماسية لاحتواء التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، يبدو المشهد عاديا، لكن خلف الأبواب المغلقة وفي أروقة صناعة القرار، تدور حرب من نوع آخر؛ لا تقل ضراوة عن المواجهات الميدانية!
إن هذا الصراع الراهن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يكن وليد اللحظة، بل تضرب جذوره في أعماق العقود السياسية والاستراتيجية، التي تلت الثورة الإيرانية عام 1979، ليتطور عبر سنوات بين أروقة الدبلوماسية والملف النووي والعقوبات الاقتصادية، إلى مواجهة عسكرية مباشرة وغير مباشرة تضع المنطقة على حافة الانفجار الشامل.
وفي هذه المواجهة المفتوحة، لا تطلق المدافع قذائفها على جبهات القتال فحسب، بل تُطلق الترسانات الإعلامية بكل ثقلها منظومات لغوية ومصطلحات مدروسة لإعادة صياغة الواقع وتوجيهه. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي انطلق منه هذا التقرير الصحافي الذي أنجزه فريق طلابي بمعهد epag للسمعي البصري والغرافيزم يتكون من كنزة البخاري، وصال عجلاوي، فاطمة الزهراء ايت اوعدي وعثمان برباش، تحت إشراف نادية الصبار أستاذة مكونة في تحليل وتطور الأحداث، وذلك في كيفية تحول اللغة الإعلامية من أداة مجردة لنقل الحدث إلى آلية استراتيجية لتوجيه الوعي وبناء السرديات، وكيف يُعاد تطويع الخطاب الإعلامي وتسييسه بذكاء ليكون خادماً وفياً للأجندات السياسية المتصارعة.
التأسيس المفاهيمي: في التمايز بين الأيديولوجيا السياسية والناقل الإعلامي
ولفهم هذا التحول الممنهج، كان لزاماً في البداية التأسيس لتمايز مفاهيمي بين الخطاب السياسي والخطاب الإعلامي؛ فالخطاب السياسي بطبيعته هو خطاب براغماتي، إيديولوجي، ومباشر، يسعى بوضوح وبلا مواربة إلى كسب موازين القوة أو الحفاظ عليها وتبرير السياسات والقرارات. أما الخطاب الإعلامي، فيُفترض فيه توخي الحياد والموضوعية، والالتزام بنقل الحقيقة والواقع كما هو دون مجاملة أو تحريف.
غير أن واقع الممارسة الإعلامية في زمن الحروب والأزمات الكبرى يثبت أن هذه الحدود الفاصلة تذوب وتتلاشى تماماً؛ إذ يتخلى الإعلام عن دوره التقليدي كمرآة عاكسة للأحداث ليتحول إلى “مهندس” صانع لها عبر آليات التأطير والانتقاء اللغوي. في هذه المرحلة، يتم تسييس الخطاب الإعلامي بشكل ممنهج ليصبح جسراً يمرر من خلاله الخطاب السياسي أهدافه دون أن يشعر المتلقي بالضرورة أنه يتعرض لعملية توجيه، وبذلك يتحول الخبر الصحافي من رصد مجرد لحدث عسكري إلى أداة استراتيجية معقدة تصنع الوعي العام وتمنح الشرعية للقرارات السياسية والعسكرية.
المعجم الأمريكي الإسرائيلي: تكتيكات “العقلانية العسكرية” وشرعنة الفعل
وعند إخضاع المواد الإعلامية الصادرة عن المنصات الغربية والإسرائيلية، مثل “سي إن إن” و”نيويورك تايمز” وموقع “واي نت”، للتحليل والتفكيك، يتضح أن هذا المحور يتأسس على معجم لغوي شديد الدقة والذكاء التعبيري، يسعى من خلاله لتقديم الحرب باعتبارها ضرورة أمنية وأخلاقية لا بديل عنها. حيث يهيمن على هذا الخطاب حقل دلالي يركز بشكل مكثف على مصطلحات الأمن والدفاع، وتتكرر فيه عبارات مثل “الدفاع عن النفس”، و”الأمن القومي”، و”الرد المشروع”، و”منع التصعيد”. إن الهدف الجوهري من تكرار هذه التوليفة اللغوية هو نزع صفة “العدوان” أو “الهجوم” عن الفعل العسكري الإسرائيلي والأمريكي، وإعادة تأطيره في ذهن القارئ كخطوة اضطرارية وقانونية لحماية “الاستقرار الإقليمي” والدولي في مواجهة ما يُصطلح على تسميته بـ”الخطر النووي الإيراني” أو “التهديد الوجودي”.
وفي السياق ذاته، يبرز تكتيك آخر يعتمد على تسويق “العقلانية العسكرية المتفوقة” للفاعل، حيث تحفل التقارير الغربية بمصطلحات مثل “الضربات الدقيقة”، و”العملية العسكرية المحدودة”، و”تدمير منصات الصواريخ”، و”القدرات الدفاعية والاستخباراتية”، و”حرية العمل الجوي”. هذه التعبيرات المنتقاة بعناية لا تهدف فقط إلى إبراز القوة، بل تمنح الفاعل صفة المسؤولية والاحترافية والحرص على تجنب الخسائر الجانبية وحماية المدنيين، مما يضفي بعداً أخلاقياً وقانونياً على العمليات العسكرية أمام الرأي العام الدولي.
ولا يغفل هذا الخطاب الجانب النفسي في الصراع، إذ يتعمد باستمرار استخدام مصطلحات الحرب الإعلامية مثل “الدعاية الإيرانية”، و”التضليل الإعلامي”، و”الحرب النفسية”، و”المعلومات المضللة”. ويكمن الهدف هنا في خلق جدار من التشكيك المسبق حول أي رواية تصدر عن طهران، وتقديم الخطاب الأمريكي والإسرائيلي بوصفه المرجعية الوحيدة لـ”الحقيقة”. ومن الملاحظ في هذا الإطار وجود تمايز تكتيكي بين الخطابين؛ فالخطاب الإسرائيلي يبدو مباشراً وتعبوياً يتبنى لغة الردع الصريحة مثل “من يهددنا سيدفع الثمن”، بينما يبدو الخطاب الأمريكي أكثر تحفظاً ودبلوماسية، حيث تعمد القيادة المركزية الأمريكية إلى نشر معلوماتها بحذر شديد وتتفادى ربط عملياتها مباشرة بالدفاع عن تل أبيب، مفضلةً تقديم تدخلها كحماية للأمن الدولي ومنع امتلاك السلاح النووي، لتكتسب العمليات طابعاً أممياً شاملاً.
الخطاب الإعلامي الإيراني: هندسة “النصر البديل” وتوظيف المظلومية
على الطرف النقيض، يعمد الخطاب الإعلامي الإيراني والموالي له، عبر منصات مثل شبكة “المنار” وقناة “الميادين”، إلى بناء استراتيجية إعلامية عكسية تماماً، تحاول صهر التحليل السياسي بالبعد الأخلاقي والحقوقي لقلب موازين القوى المادية. وينطلق هذا الخطاب من حقل لغوي ثابت تقريباً لتوصيف الفعل المقابل بوصفه “عدواناً غاشماً”، و”هجوماً غير مشروع”، و”استكباراً عالمياً”، وهي مصطلحات تهدف منذ البداية إلى نزع أي شرعية سياسية أو قانونية عن الطرف الأمريكي والإسرائيلي.
وفي المقابل، يتم صياغة قاموس لغوي يقيني وحاسم يركز على مصطلحات الانتصار والقوة مثل “المنتصر الواضح”، و”النصر الحاسم”، و”الفشل الاستراتيجي للعدو”، و”الصمود”. ويكمن الذكاء التكتيكي هنا في إعادة تعريف مفهوم النصر نفسه؛ إذ لا يقدم الإعلام الإيراني النصر وفق التعريف العسكري التقليدي القائم على السيطرة على الأرض أو حجم الدمار، بل يعيد تأطيره كـ”مفهوم سياسي وهوياتي”، يصبح فيه مجرد البقاء، واستمرار النظام السياسي، وعدم توقف البرنامج النووي بالرغم من العقوبات والضربات، دليلاً قاطعاً على النجاح و”فرض اتفاق وشروط” على الخصوم.
وتتبدى قوة هذا الخطاب في قدرته على بناء روايته الإعلامية والسياسية عبر ثلاث طبقات متكاملة تسلّم كل منها الأخرى؛ فالطبقة الأولى تعتمد على قلب الصورة النمطية للصراع وتصوير الولايات المتحدة وإسرائيل في موقع الضعف والاستسلام الاستراتيجي، مستخدمةً تكتيكاً إعلامياً بارزاً يتمثل في الاستشهاد بعناوين واعترافات الصحافة الإسرائيلية ذاتها، مثل القول بأن “إيران المنتصر الواضح في الحرب بشهادة صحيفة إسرائيلية”، وذلك لإضفاء نوع من المصداقية الخارجية والشرعية المزدوجة على الرواية الإيرانية.
أما الطبقة الثانية، فتنقل المعركة من الميدان العسكري الضيق إلى فضاء تحليلي أوسع، حيث يسعى الإعلام الإيراني إلى تقديم الحرب كأداة كشفت عن “تصدعات عميقة” وبنيوية في القوة الغربية. وتتكرر في هذا السياق مصطلحات ذات حمولة اقتصادية وجيوسياسية مثل “مشاكل بنيوية”، و”أزمات سلاسل الإمداد”، و”انكشاف الضعف”، و”التآكل التدريجي لقوة الردع”. الرسالة الضمنية هنا هي أن الخصم ضعيف بطبيعته وأنه يتآكل “قطعة قطعة”، مما يجعل انتصار إيران وحلفائها في “محور المقاومة” أمراً حتمياً ونتيجة منطقية لأزمة شاملة يعيشها النظام العالمي، وليس مجرد جولة عسكرية عابرة.
وتأتي الطبقة الثالثة لتكمل هذا البناء الإستراتيجي من خلال الانتقال بالخطاب من مستواه السياسي والتعبوي إلى مستوى حقوقي وإنساني شديد الأثر؛ إذ يركز الإعلام الإيراني على إدانة الحرب أخلاقياً عبر تسليط الضوء على استهداف “المدنيين، والمدارس، والمستشفيات، وسبل العيش”، مستخدماً بدقة مصطلحات القانون الدولي الإنساني مثل “جرائم حرب”، و”انتهاك واضح لحق الحياة”، و”سياسة التجويع والتدمير المعيشي”. هذا التحول نحو الخطاب الحقوقي يهدف إلى خلق صدمة أخلاقية لدى المتلقي، ونفي فكرة “الأضرار الجانبية” التي يسوقها الإعلام الغربي، وتحويل القضية إلى ساحة الشرعية الدولية عبر مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بالتدخل، مع تصوير الصمت الدولي كـ”تواطؤ ضمني” في الجريمة.
صراع السرديات المتضادة: الانتقائية الممنهجة وتغييب الواقع
إن هذا التحليل المعمق للقاموسين اللغويين يضعنا مباشرة أمام حقيقة “حرب السرديات الإدراكية”، حيث لا يكتفي كل طرف بنقل مجريات الحرب، بل يعيد تشكيلها من خلال تسييس اللغة لخدمة خطابه الداخلي والخارجي. ويظهر التضاد الصارخ في كيفية التعامل مع الحدث الواحد؛ فبينما يرى المحور الأمريكي الإسرائيلي في عملياته العسكرية “دفاعاً مشروعاً عن الوجود وضماناً للاستقرار الإقليمي”، يرى الإعلام الإيراني في هذه العمليات “عدواناً سافراً يستهدف البنية التحتية الحيوية للمواطنين”. وبينما يتحدث الإعلام الغربي عن “استهداف دقيق لمنصات الصواريخ”، يتحدث الإعلام الإيراني عن “تدمير ممنهج للمدارس والمستشفيات”.
ومن هنا، يصبح واضحاً أن كلا الخطابين لا يعكسان الواقع بحياد، بل يمارسان ما يُعرف في الأدبيات الصحافية بـ”الانتقائية الممنهجة” (Selective\ Reporting). فالخطاب الأمريكي الإسرائيلي يبالغ في استعراض الجوانب العقلانية والقانونية والتكنولوجية ليتغاضى عمداً عن الكلفة الإنسانية الباهظة والدمار الذي تخلفه الحرب على الأرض. وفي المقابل، يمارس الإعلام الإيراني تغييباً شبه كامل للأضرار الداخلية والخسائر العسكرية الإيرانية، ليوجه الانتباه بالكامل نحو المكاسب الجيوسياسية بعيدة المدى، مثل تعزيز النفوذ الإقليمي والسيطرة على مضيق هرمز، محولاً الصمود من تكتيف للأضرار إلى نصر حاسم ومكتمل.
وخلاصة القول، يتضح جلياً أن اللغة في زمن الحرب والنزاعات الكبرى تتجاوز وظيفتها التقليدية بوصفها وعاءً ناقلاً للأخبار أو وسيلة للتعبير، لتصبح سلاحاً استراتيجياً فاعلاً لا يقل خطورة عن الترسانات العسكرية في أرض الميدان. إن فهم الميكانيزمات الداخلية لهذه الخطابات لا يعني بالضرورة تبنيها، بل يعني إدراك كيف تُصنع السرديات وكيف تُدار المعارك في الفضاء الإدراكي والنفسي للمجتمعات.
إن ما يشهده العالم اليوم في الصراع الدائر بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، ليس مجرد مواجهة عسكرية على جغرافيا الأرض والممرات المائية، بل هو صراع أعمق على “جغرافيا الوعي”؛ صراعٌ تملك فيه المنصات الإعلامية سلطة تعريف “المعتدي” و”الضحية”، وتوجيه الرأي العام العالمي نحو رؤية الواقع من زاوية الرصاصة أو الكلمة التي يطلقها كل طرف، مما يجعل الحقيقة في نهاية المطاف مجرد رواية قابلة للتشكيل والتأطير وإعادة الإنتاج في مصانع السياسة والإعلام.