دنا بريس
وصال عجلاوي – صحافية متدربة
رغم خطورته البالغة، يُعد زنا المحارم أو غشيان المحارم او سفاح القربى.. من أكثر الجرائم الأسرية تعقيدًا من حيث الرصد والكشف، إذ نادرًا ما يظهر إلى العلن، ولا يُكشف عنه إلا في حالات محدودة تبلغ أروقة القضاء أو تتسرب إلى وسائل الإعلام.
ويعود ذلك أساسًا إلى وقوعه داخل فضاء أسري مغلق، تتشابك داخله مشاعر الخوف والوصم الاجتماعي وسلطة القرابة، ما يجعل الصمت قاعدة، والتبليغ استثناءً. ونتيجة لذلك، تظل المعطيات المتداولة مجرد مؤشرات جزئية لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة ولا امتدادها الواقعي.
في المغرب، أعادت القضية التي عُرفت إعلاميًا بـ“فضيحة عين عودة”، والتي تفجّرت سنة 2021، تسليط الضوء على هذا النوع من الجرائم، بعدما كشفت التحقيقات عن علاقة جنسية محرّمة دامت لسنوات بين أب وابنته، وأسفرت عن إنجاب أطفال خارج إطار الشرعية ومن علاقة محظورة.
وقد أكدت الخبرات الجينية صحة الوقائع، لتترتب عنها متابعة المتهم بالتهم المنسوبة إليه، مقابل مواكبة الضحية وأبنائها على المستويين الاجتماعي والنفسي. لتكشف الواقعة هذه؛ عن الطابع المركّب لجريمة زنا المحارم، باعتبارها لا تقتصر على الاعتداء الجنسي، بل تمتد لتطال التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة بأكملها.
وفي سياق عربي مماثل، شهدت مصر سنة 2020 قضية مشابهة أثارت الرأي العام، عقب محاكمة رجل بتهمة إقامة علاقة جنسية مع ابنته على مدى سنوات، وفق ما أوردته صحف محلية. ولم تُكشف هذه الجريمة إلا بعد فترة طويلة من الصمت، ما أعاد طرح إشكالية التأخر في التبليغ، وكشف كيف يتحول الصمت إلى عامل يسمح باستمرار الجريمة وتفاقم آثارها النفسية والاجتماعية على الضحية.
ويرى مختصون في القانون الجنائي أن جرائم زنا المحارم لا تحظى دائمًا بتوصيف قانوني مستقل وواضح، إذ غالبًا ما تُدرج ضمن فصول متفرقة تتعلق بالاعتداءات الجنسية أو الجرائم المخلة بالآداب العامة، وهو ما يحد من إمكانية تتبعها إحصائيًا وتحليل خصائصها بشكل دقيق. ويؤكد هؤلاء أن غياب تصنيف قانوني صريح يسهم في طمس الحجم الحقيقي للظاهرة ويضعف فعالية المقاربة المؤسساتية في التعامل معها
من جهتها، تشير فعاليات جمعوية وحقوقية إلى أن القضايا المعروضة على القضاء لا تمثل سوى جزء ضئيل من الحالات الواقعية، بسبب إحجام العديد من الأسر عن اللجوء إلى المؤسسات الرسمية، أو محاولتها احتواء الجريمة داخل الإطار العائلي، خصوصًا عندما يكون أحد الأطراف راشدًا. هذا الصمت، تضيف المصادر ذاتها، يجعل زنا المحارم من أكثر الجرائم الأسرية تعقيدًا من حيث الكشف والحماية والمتابعة القانونية
وفي قراءة نفسية للظاهرة، يوضح الأخصائي النفسي والجنسي أبو بكر حركات أن مرتكبي جرائم زنا المحارم يعانون في الغالب من اضطرابات نفسية وشخصية عميقة، تجعلهم عاجزين عن احترام الحدود الأخلاقية والاجتماعية. وأضاف أن هذه الحالات تتسم غالبًا بضعف التعاطف وغياب الإحساس بالذنب، ما يفاقم الأثر النفسي على الضحية ويعقّد فهم الدوافع الكامنة وراء ارتكاب الجريمة
إعلاميًا، لا تحظى قضايا زنا المحارم بتغطية واسعة، ولا تُطرح غالبًا إلا عند صدور أحكام قضائية أو تسريب معطيات صادمة.
هذا ويؤكد مهنيون في الحقل الإعلامي أن المعالجة الصحفية، رغم خضوعها لاعتبارات أخلاقية وقانونية صارمة، تبقى مطالبة بالدقة المفاهيمية والتمييز الواضح بين زنا المحارم وباقي الجرائم الجنسية، بما يضمن حق المجتمع في الفهم وحق الضحايا في الحماية.