القدس بعيون مغربية.. من تلة المغاربة إلى الرباط بالمعرض الدولي للنشر والكتاب
دنا بريس
متابعة نادية الصبار
لم يكن الاستشهاد بقصة المرابطة المغربية عائشة المصلوحي وصمودها التاريخي في وجه ضغوط إخلاء منزلها المطل على حائط البراق، مجرد استحضار عابر لنموذج إنساني، بل كان “بوصلة” وجهت نقاشات الأكاديميين في ندوة “القدس بعيون مغربية من خلال التراجم والطبقات والمنجز الجمالي الفلسطيني”، ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب والنشر 2026.
من هذا المدخل الإنساني المشحون بالدلالة، حضرت قصة عائشة أو “أم خليل”، باعتبارها واحدة من أبرز رموز الصمود المرتبطة بما تبقى من حارة المغاربة في القدس، حيث تقيم في منزل قديم يطل على حائط البراق في “تلة المغاربة”، وهو موقع يُعد الامتداد الأخير لذاكرة حيّ هُدمت معالمه سنة 1967، في وقت واجهت فيه المصلوحي ضغوطاً ومحاولات متكررة لإخلاء المكان، إلى جانب عروض وإغراءات مالية كبيرة، غير أنها تمسكت بالبقاء باعتباره امتداداً للذاكرة والهوية.
وقد شكلت هذه الشهادة الإنسانية المنطلق الأساسي للندوة الفكرية التي نظمتها وكالة بيت مال القدس الشريف، والتي أطرها نخبة من الباحثين والعارفين من المغرب وفلسطين لتفكيك تمثلات القضية داخل الوعي الثقافي العربي. والذين أجمعوا على ضرورة الانتقال بملف القدس من حيز التفاعل العاطفي اللحظي إلى أفق الإنتاج المعرفي والمنهجي الرصين، معتبرين أن قصة المصلوحي هي الوجه الواقعي لهذا المنهج الذي يربط الأرض بالهوية.
وفي تفاصيل النقاش، اعتبر الباحث والإعلامي الفلسطيني الدكتور طلعت علوي أن استحضار القدس يقع في قلب سؤال الهوية، محذراً من محاولات تسطيح وعي الأجيال الصاعدة بالقضية. وأكد علوي أن التفاعل المغربي يمتلك خصوصية فريدة لكونه يرتكز على مسار فكري وتاريخي متواصل، يضمن حضور القضية في الوعي الجمعي قبل أن تكون موضوعاً سياسياً عارضاً.
من جهته، توقف الأكاديمي محمد الشيكر عند التحولات النوعية في الاشتغال الجامعي على القضية الفلسطينية، مشيراً إلى الانتقال من المقاربة الوجدانية إلى بناء معرفة علمية مؤطرة بإسهامات مفكرين كبار من طينة إدوارد سعيد وهشام شرابي وغسان كنفاني. وأوضح أن هؤلاء المفكرين حولوا الكتابة إلى فضاء للمقاومة الرمزية وأداة للنقد والتحليل لإعادة قراءة القضية ضمن سياقات معرفية جديدة تعتمد البحث الرصين وسيلة للتحرر.
وعلى مستوى آخر، ركز الباحث محمد ضريف، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس، على أهمية استنطاق كتب التراجم والطبقات المغربية وأدب الرحلة. معتبرا أن هذا الأرشيف يمثل رصيداً معرفياً لم يحظ بالاستثمار الكافي، رغم ما يتيحه من إمكانات لإعادة بناء الروابط التاريخية بين المغرب والقدس عبر مقاربات أنثروبولوجية ورمزية تقرأ النصوص باعتبارها وثائق حضارية دالة على الوجود المغربي المستمر في بيت المقدس.
هذا وتأتي هذه الفعالية لتكرس الدور المحوري الذي تضطلع به وكالة بيت مال القدس الشريف، الذراع التنفيذية للجنة القدس برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس. وقد رأت النور بمبادرة من جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني عام 1995، وباشرت عملها الميداني رسمياً في دجنبر 1998، لتواصل منذ ذلك الحين مهامها في دعم صمود المقدسيين من خلال مقاربة ميدانية تزاوج بفعالية بين الدعم الاجتماعي المباشر والإسناد الثقافي والفكري لحماية الهوية الحضارية للمدينة المقدسة.