حين يتباهى منتجو الأفوكادو باستنزاف الثروة المائية!
المصطفى الوداي
ارتبط تحقيق الأرقام القياسية بالرياضة عامةً، وذلك عندما يتمكن الرياضي من تجاوز رقم حققه رياضي سابق، ليصبح الرقم القياسي ملازماً لتحقيق نتائج جيدة وإيجابية في جميع القطاعات الاقتصادية المنتجة، أو تحصيل أكبر عدد ممكن من الموارد المالية. أما غير ذلك فيُعتبر انتكاسة وهدرًا للإمكانيات دون تحقيق النتائج المرجوة. وفي زمن انقلبت فيه المفاهيم، خرج علنًا رئيس جمعية منتجي الأفوكادو ليعلن أن المغرب استطاع أن يحقق رقمًا قياسيًا في تصدير الأفوكادو والبطيخ في ظل أزمة مائية تعيشها المملكة وعدة مناطق مهددة بأزمة العطش.
الخروج الإعلامي والتباهي بإنتاج الأفوكادو والبطيخ في حد ذاته استفزاز للمغاربة ومنافي لسياسة تدبير أزمة الماء كما جاء في خطاب العرش الأخير. هذا التصريح يطرح عدة تساؤلات حول تطبيق السياسة المائية للدولة وحماية الفرشة المائية المهددة بالنضوب، وتعريض الأجيال القادمة إلى العطش والمجاعة، حيث تستهلك بعض المزروعات والأشجار مثل الأفوكادو التي يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد منها 1000 لتر من الماء، والبطيخ الأحمر (الدلاح) الذي يكلف إنتاج كيلوغرام واحد منه 45 لترًا من الماء.
فعوض الانخراط في مسلسل تدبير أزمة ندرة الماء، يتم التباهي بتحطيم أرقام قياسية في إنتاج منتجات فلاحية تستنزف المياه الجوفية، وهذا يتعارض مع ما جاء في خطاب عيد العرش ومع التوجهات الحكومية. في ظل التغيرات المناخية، أصبحت الأزمة المائية هاجسًا وواقعًا يؤرق المغاربة، مواطنين ومسؤولين. فلا محالة ستلقي بظلالها على المعيش اليومي للمواطنين، حيث أن ساكنة المدن مهددة بأزمة عطش متفاوتة حسب المناطق ومدى استفادتها من كميات الأمطار، بينما في البوادي فإن أزمة العطش ستكون حادة وستتسع لتشمل الأنشطة الفلاحية، مما سيدفع للهجرة نحو المدن. خصوصًا أن مناطق فلاحية كثيرة تحولت إلى أراضٍ قاحلة نظرًا لقلة الأمطار ونضوب المياه الجوفية نتيجة الاستغلال العشوائي واستنزاف الفرشة المائية بسبب اعتماد أنماط زراعية تستهلك بشكل كبير مياه الري في مناطق مصنفة شبه جافة أو جافة، ومعدل أمطارها السنوي ضعيف، كنموذج زراعة البطيخ الأحمر (الدلاح) في شيشاوة وزاكورة، والأفوكادو والفراولة في منطقة الغرب واللكوس. ويمكن إضافة طريقة السقي المعتمدة التي ساهمت بدورها في استنزاف الفرشة المائية.
المغرب، الذي يسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية اعتمادًا على الفلاحة، يقع في منطقة تتسم بالتقلبات الجوية والتغيرات المناخية سنويًا، بل أحيانًا تسجل تقلبات جوية من شهر إلى آخر مع عدم استقرار كميات الأمطار المتساقطة سنويًا، والتي تتقلص بشكل ملحوظ كلما انتقلنا من شمال المملكة إلى الجنوب الذي يسوده طقس جاف شبه صحراوي. فالمناطق التي تبلغ فيها نسبة الأمطار المتساقطة بين 400 و900 ملم سنويًا تمثل 10% فقط من التراب الوطني. وأبرزت دراسة لأحوال الطقس على مدى 100 سنة أن كل 10 سنوات تكون 3 إلى 4 سنوات جافة، وتكون إحدى هذه السنوات جفافًا عامًا بكل مناطق المملكة.
ويتسم المناخ في المغرب بتحولات مناخية مرتبطة بالتغيرات المناخية مثل ارتفاع الحرارة وأحوال الطقس التي لم تعد تعرف الاستقرار، بحيث نسجل تساقطات مطرية كثيرة في فترة معينة من الموسم، وأحيانًا يمكن أن تهطل كمية الأمطار المتوقعة خلال السنة في يوم أو أقل، مما يؤدي إلى ظهور فيضانات. وقد تم رصد التغيرات المناخية منذ أربعة عقود تقريبًا، وأصبحت مرفوقة بارتفاع في درجات الحرارة والجفاف أيضًا. ومن أهم السنوات التي عرف المغرب خلالها فيضانات مهمة:
- سنة 1963/64
- سنة 1967/68
- سنة 1996/97
- سنة 2007/2008
- سنة 2013/14
ومن أهم سنوات الجفاف:
- بداية الستينات
- سنوات 1974/75
- بداية الثمانينات
- سنوات 1991، 1993، 1994، و1995
- وأخيرًا الجفاف الذي يعاني منه المغرب منذ سنة 2019
ويرجع شح الماء في المغرب إلى عدة أسباب، منها ارتفاع عدد السكان الذي ساهم في زيادة استهلاك الماء، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على الماء مع انخفاض العرض (قلة التساقطات المطرية، سنوات الجفاف). وضعية مناخية تستلزم تنفيذ الإجراءات المتخذة للتخفيف من آثار الجفاف الذي أصبح معضلة هيكلية، واتخاذ تدابير لمواجهة الفيضانات أيضًا، والاحتفاظ بمياهها. الإجراءات التي تبقى في الغالب حبرًا على ورق منذ تعاقب الحكومات ولعدة سنوات، مثل برامج 2016، 2017، 2019، والبرنامج الاستعجالي (2016-2018)، و(2020-2027).
وقد ساهمت بعض السياسات والسلوكيات البشرية في التغيرات المناخية وأثرت سلبًا على الإنتاج الفلاحي، إضافة إلى بعض خيارات السياسة الفلاحية. من أهم هذه العوامل الزحف على القطاع الغابوي، والسطو على أراضٍ فلاحية وتحويلها إلى عقارات وبنايات سكنية، وعدم مواكبة وتقنين المزروعات والأشجار المستهلكة للمياه، كمثال صارخ على ذلك، الخروج الإعلامي لمنتجي الأفوكادو وهم يفتخرون بتحقيق رقم قياسي في إنتاج هذه الفاكهة التي تساهم في استنزاف الفرشة المائية.
كل هذه العوامل، سواء منفصلة أو مجتمعة، ساهمت في تقليص نسبة حقينة السدود ومنسوب المياه الجوفية، مع تسجيل تراجع في إنتاج بعض المنتجات الفلاحية التي حقق فيها المغرب اكتفاء ذاتيًا أو اقترب من تحقيقه، مثل الخضر والفواكه والحليب ومشتقاته والسكر. كما تم التخلي عن بعض الزراعات المنتجة لبعض المواد الغذائية الأساسية أو تقليص المساحات المخصصة لها، مثل الحبوب والزيوت النباتية (لا تشمل زيت الويتون)، مثل عباد الشمس والحليب ومشتقاته، اللحوم الحمراء والبيضاء، والسكر (قصب السكر والشمندر)، ليصبح المغرب مرتبطًا بالأسواق العالمية لتوفير المواد الغذائية الأساسية. إضافة إلى توجهات استراتيجية المغرب الأخضر التي كرست اختيارات السياسة الفلاحية المتبعة منذ الاستقلال، والتي كانت أولوياتها تعتمد على المنتجات الفلاحية الغذائية المعدة للتصدير، خصوصًا في الدعامة الأولى المكونة من كبار الفلاحين المستفيدين من الدعم والإمكانات الهائلة المرصودة من طرف الدولة، دون إعطاء أهمية للأمن الغذائي الذي يؤدي إلى التبعية الغذائية.
فالتبعية الغذائية لهذه المواد الغذائية الأساسية تختلف من نوع إلى نوع وحسب التقلبات المناخية. فإنتاج الحبوب، الذي يبقى مرتبطًا بكميات الأمطار المتساقطة سنويًا وبفترات الجفاف، يسجل محاصيل زراعية حسب الظروف المناخية، حيث لا يتجاوز معدل الإنتاج 40% من حاجيات السكان، أي القمح بنوعيه والشعير، بينما نسبة الإنتاج تتغير بتغير الظروف المناخية. أما بالنسبة للدرة المخصصة لعلف الدواجن، فهي مرتبطة 100% بالسوق العالمية، مما يساهم في ارتفاع ثمن اللحوم البيضاء. السكر أيضًا، يتم تلبية حاجيات السوق الداخلي عبر استيراد ما يفوق 50% من احتياجاته. ونفس الارتباط بالسوق العالمية تم تسجيله على مستوى إنتاج الحليب ومشتقاته، وكذلك اللحوم الحمراء التي كانت تحقق اكتفاء ذاتيًا، ولكن ارتباطها بالسوق العالمية كان ضئيلاً نظرًا لكميات قليلة من اللحوم التي كان يتم استيرادها من أمريكا اللاتينية الموجهة للتكنات العسكرية، والتي تقدر بين 4000 إلى 5000 طن. لكن في السنة الماضية تم اللجوء إلى استيراد المواشي لتغطية طلب السوق الداخلي، حيث تم استيراد 30 رأسًا من المواشي من البرازيل، كما حدث أثناء عيد الأضحى. أما اللحوم البيضاء، فقد أصبحت مرتبطة 100% بالسوق العالمية.
أما الإنتاج الوطني من الزيوت النباتية، فلا يتعدى 2%، مما يكرس التبعية الغذائية للاقتصاد المغربي ويهدد الأمن الغذائي للبلاد، لأن البلدان المصدرة يمكن أن تستخدم الأمن الغذائي كسلاح لإجبار الدول المستوردة للمواد الغذائية الأساسية على الخضوع إليها وتبني مواقفها.
فعوض تطوير إنتاج المواد الغذائية الأساسية، اعتمدت استراتيجية مخطط المغرب الأخضر على تحسين إنتاجية مواد ثانوية ومستهلكة للمياه من أجل التصدير واستفادة من العملة الصعبة، وأهمها الخضروات والفواكه. وبناءً على كل هذه المعطيات، فإن المغرب، الذي اعتمد على القطاع الفلاحي كأحد أهم مكونات الاقتصاد الوطني، لم يستطع تحقيق الاكتفاء الذاتي ويعاني من التبعية الغذائية.
هذا وتستمر المشكلة في تعرض الثروة المائية للاستنزاف، وقد يصبح المغرب مهددًا بأزمة عطش في المناطق التي تعاني من شح الماء وقلة الأمطار. في ظل ظاهرة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، اللذين أصبحا عنصرين متلازمين مع التقلبات الجوية والتغيرات المناخية، أصبح لزامًا اتخاذ تدابير أكثر جرأة تتجاوز غلق الحمامات ومحلات غسل السيارات أربعة أيام في الأسبوع. يتطلب الأمر أيضًا تقنين المزروعات والنباتات الفلاحية الأكثر استهلاكًا للماء، وإعادة النظر في منح مساحات شاسعة لشركات إسرائيلية من أجل إنتاج الأفوكادو، علمًا أن إسرائيل تتبع سياسة الحفاظ على الثروة المائية، حيث يتم إنتاج كل المحاصيل الفلاحية المستهلكة للمياه خارج إسرائيل، كما فعلت مع الطماطم، حيث اكتفت بإنتاج البذور وتصديرها.
وبما أن المغرب يبرم اتفاقيات مع إسرائيل، فإنه من الأفضل أن يستفيد من سياسة إسرائيل في الحفاظ وتدبير المياه لتحقيق توازن بين الإنتاج الفلاحي والحفاظ على الموارد المائية.