الرائدة في صحافة الموبايل

الشعر بوصفه أنطولوجيا: في تفكيك مفهوم المضاعف في “الشعر والمرايا”

يفتح الناقد محمد علوط في كتابه “الشعر والمرايا: مبحث في أنطولوجيا المضاعف”، ورشة تفكير قلقة حول معنى أن نكتب، وأن نكون داخل الكتابة، وأن نصغي إلى ما تقوله اللغة حين تنفلت من يقينها. يقترح علوط أن الشعر لم يعد مرآة للعالم، بل أصبح مرآةً للمرآة نفسها؛ أي فضاءً تتكاثر فيه الصور، وتتصدّع فيه الهوية، ويتحوّل فيه الصوت إلى صدى لأصوات أخرى. هكذا يغدو “المضاعف” قدرًا أنطولوجيًا للذات الشاعرة: أن تكون واحدًا ومتعددًا في الآن ذاته، أن تقول نفسك بلسان غيرك، وأن تكتشف أن كل كتابة هي عبور في كتابة سابقة. حيث تُولد القصيدة، من احتكاك خفي بين آثار، ومن توتر دائم بين الحضور والغياب.


الكتاب، في عمقه، هو مساءلة جذرية لميراث نقدي طويل اختزل الشعر في أغراضه أو في مناهجه. يقترح علوط قطيعة هادئة لكنها حاسمة مع هذا الإرث، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للنص بوصفه كائنًا حيًا، لا يُختزل في قراءة واحدة، ولا يُستنفد في تأويل مغلق. فالشعر، كما يتبدى هنا، ليس خطابًا عن العالم، بل طريقة في خلقه من جديد، عبر لغة تشتغل في طبقاتها العميقة، حيث المعنى لا يُعطى بل يُنتج ويُلمّح إليه كأثر.


في هذا الأفق، تتبدل علاقة القارئ بالنص. الذي يصبح شريكًا في صناعته. القراءة نفسها تصبح تجربة وجودية، اختبارًا للذات وهي تواجه انفتاح النص ولا نهائيته. والقصيدة لا تمنح طمأنينة، بل تزرع القلق وتوسّع دائرة السؤال. وهذا ما يمنح الكتاب راهنيته، في زمن تتكاثر فيه الخطابات السريعة، ويقلّ فيه الإصغاء العميق.


ينفتح علوط على مرجعيات فلسفية ونقدية متعددة، من هيدغر وبلانشو إلى بارت وباشلار، دون أن يقع في فخ الاستعراض. تحضر هذه الأسماء بوصفها أصداء داخل نسيج فكري يسعى إلى بناء تصور مركّب للشعر، حيث تتقاطع الفلسفة مع التجربة الجمالية، ويصبح التفكير في الشعر تفكيرًا في الوجود ذاته. فالشعر، في هذا المنظور، ضرورة أنطولوجية: طريقة لمقاومة العدم، ولإعادة ابتكار المعنى في عالم يتآكل.


ما يميز هذا الكتاب أيضًا هو انشغاله العميق بفكرة “الأثر”، حيث ينظر علوط إلى النص كأثر مفتوح، يتشكّل عبر علاقاته بنصوص أخرى، وبذاكرة ثقافية وجمالية ممتدة. كل قصيدة هي أرخبيل من المرايا، وكل كتابة هي إعادة كتابة، في حركة لا نهائية من التوالد والتحول. يضع علوط القارئ أمام تصور جديد للحداثة الشعرية، لا يقوم على القطيعة المطلقة، بل على جدل معقد بين الاستعادة والاختلاف.


إن “الشعر والمرايا” ليس كتابًا سهلًا بالمعنى التداولي، يطالب قارئه بأن يبطئ، أن يشك، أن يعيد النظر في مسلّماته حول الشعر واللغة والذات. وهو، في ذلك، لا يكتفي بتحليل الظاهرة الشعرية، بل يغامر بإعادة تعريفها من جذورها، كفعل حرية، وكحقل مفتوح على الممكن، وكاختبار دائم للوجود في لغته الأكثر هشاشة وجرأة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد