حسن حلحول يكتب عن النظام العالمي الجديد وثلاثية الأقطاب
عاش العالم بعد انهيار الإتحاد السوفياتي سنة 1991م، مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية تمثلت في الهيمنة الأمريكية على العالم، فبعد أن أحكمت الولايات المتحدة الأمريكية قبضتها على مقالد الجاه والمال والأعمال، وتفوقت على منافسيها وأبعدت الخصوم عن مراكز القرار والتحكم، دفعت بالعالم نحو أحادية القطب بعد أن ظل عهودا من الزمن تحت هيمنة الثنائية القطبية.
أدت هذه الهيمنة وتوسيع نفوذ دائرة التوسع الإمبريالي الجشع وبسط النفوذ من القطب الوحيد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل على دول العالم، وإشهار نظام العقوبات على الدول خارج السيطرة ومحاصرتها اقتصاديا وفق “نظام سويفت”،إذا ما لم تساير سياستها وتوجهاتها في حل القضايا الدولية.. (أدت ) هذه السياسة المتبعة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية إلى خلق خصوم يعارضون سياستها التوسعية كالصين وروسيا.
إن جائحة كورونا كوفيد 19 التي اجتاحت العالم؛ كشفت بلا مراء عن الصراع المضمر بين الصين وأمريكا، والذي بدأ يطفح على السطح يوما بعد يوم، في وقت برزت فيه الصين كقوة اقتصادية لا يستهان بها ويحسب لها ألف حساب، هذه الأخيرة عمدت إلى تقديم قروض ومساعدات مالية وغذائية وإنسانية لدول العالم بما فيها دول من أوروبا للتخفيف من آثار الجائحة.. وهكذا بدت فاعلا اقتصاديا قويا ينافس الولايات المتحدة الأمريكية في الهيمنة. مما دفع بهذه الأخيرة لأن تكيل للصين وتكيد وتعمد لتضييق الخناق عليها سياسيا واقتصاديا وبشكل متكرر، محاولة منها لكسر شوكتها.
فكان الرد الصيني غير متوقع؛ إذ خرجت الصين عن صمتها لتعلن معاداتها لأمريكا وذلك خلال أشغال القمة الصينية الروسية بمناسبة الألعاب الأولمبية التي نظمتها الصين، بل وفي بيان سياسي للقمة؛ أعرب القائدان عن اختيارات جريئة لإصلاح المنظومة الدولية، ومن مخرجاته؛ الاتفاق على توحيد النظام المالي ووضع حد للتهديدات الأمريكية لروسيا بفرض عقوبات قاسية عليها وعزلها عن نظام “السويفت “.
فبالرغم من الخلافات القائمة بين النظامين الصيني والروسي وعدم تطابق وجهات النظر بين البلدين في كثير من القضايا الدولية، غير أنهما يتفقان معا عندما يتعلق الأمر بمواجهة أمريكا والتصدي لها لتهديد أمنهما الاقتصادي والمالي.
إن الحشود العسكرية الروسية التي زجت بها على الحدود الأوكرانية على إثر قرار هذه الأخيرة بالانضمام إلى حلف الناتو الذي ترفضه روسيا رفضا حازما، تنبئ عن حرب أكيدة وعن مواجهة عسكرية وشيكة بين البلدين، التي قد تجر العالم إلى حرب عالمية ثالثة.
ولا شك في ذلك؛ فأمام احتدام الصراع الإقتصادي بين الصين وأمريكا، وأمام الرفض الأمريكي المطلق ومعه دول الغرب لأدناه مساس باستقلال الدول الشرقية عن الاتحاد السوفياتي، وأمام الرغبة الملحة لفلادمير بوتين باسترجاع هذه الدول إلى حظيرته، فإن الحرب العالمية الثالثة قادمة بما لا يدع مجالا للشك.
فإذا لم تكن بين أمريكا والحليفين الصيني والروسي معا، فإنها ستكون بينها وبين إحدى هاتين الدولتين الحليفتين.
وبعد الاصطدام الذي قد يقع بين هذه الدول سواء كان كليا أو جزئيا فإنها عندما ستضع أوزارها؛ سيدخل العالم في حالة من الفوضى والارتباك، ولن تعود الأمور كما كانت عليه في سابق العهود وسيتشكل من جديد وفق منظومة دولية قد تتأسس على الثلاثية القطبية هذه المرة.. والقطب الثالث هنا هو العالم العربي والإسلامي كقطب صاعد.
إن العالم سيعيش مرحلة جديدة بخلق التحالفات القطبية، لمواجهة وتقويض الهيمنة الأمريكية على العالم، وهذا المخاض الذي قد يترتب عنه نظام عالمي جديد، لن تسمح به أمريكا إلا بنشوب حرب عالمية ثالثة والتي لن تمر بمرحلة الحرب الباردة كما في السابق، فالتاريخ لن يعيد نفسه ولن تكون الحرب نسخة من سابقتيها.
أرى من وجهة نظري الخاصة؛ أن الحرب العالمية الثالثة ستختلف عن الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين عرفهما العالم، فتطور تكنولوجيا الحرب وتطور الأنظمة المعلوماتية بشكل مهول، سيجعلها حربا سبرانية، وحربا فضائية، وما قامت به روسيا مؤخرا ودون سابق إعلان، لخير دليل على الطرح الذي سقناه.
فعندما عمدت روسيا إلى تدمير القمر الاصطناعي في الفضاء بواسطة صاروخ مدمر، كان ما قامت إشارة قوية ورسالة بدون تشفير من الروس إلى أمريكا والغرب.
فالحرب العالمية الثالثة المفترضة؛ إذا لم تكن بين الروس وأمريكا فإنها ستكون بين الصين وأمريكا، فحرب الفضاء واردة وستعمد إلى تدمير كل الأقمار الاصطناعية، ومن ثم فإن كل الخدمات التي تقدمها هذه الأقمار الاصطناعية سواء منها العسكرية بواسطة ( ج.ب.س / GPS) أو السلمية بواسطة الانترنيت والاتصالات المعلوماتية، ستتعطل وتتوقف ويترتب عنها تعطيل إطلاق الصواريخ البلاستية، لتعود القوى العظمى إلى نقطة الصفر، وإلى الحالة التي كانت عليها من قبل، ألا وهي “الحرب الكلاسيكية الجديدة القديمة”، أما التكنولوجيا الفائقة التطور فستبقى جامدة ولا جدوى منها، اللهم إذا تم استحداث تكنولوجيات ونظم معلوماتية جديدة (العالم ما بعد التكنولوجيا) بديلة للأقمار الاصطناعية.
إن الغاية من استعراض كل هذه التوقعات التدميرية لحرب الفضاء التى سيشهدها العالم، والتي تشير إلى أن البشرية ستعود لتبني الحرب التقليدية، للوصول إلى فكرة مفادها أنه بوسع الدول العربية إذا ما صدقت توقعاتنا للتحرر من عقدة التطور التكنولوجي المبني على الأقمار الاصطناعية، التي عجزت عن الوصول إلى امتلاكها والتمكن منها، وبات لزاما عليها أن تضع خططا استباقية لكي يكون لها حضور داخل المنظومة الجديدة.
فالعالم؛ سيعرف مستقبلا صراعات بين الثلاثية القطبية وبين ثلاث عوالم مختلفة على المستوى الأيديولوجي والفكري والعقدي، وهو القطب الأول: بقيادة أمريكا والغرب، والقطب الثاني:بقيادة الصين وروسيا، والقطب الثالث: تقوده الدول العربية والإسلامية كقطب صاعد.
كما سيعرف العالم تغييرا جذريا على مستوى تدبير النظام العالمي الجديد، ولن يسمح للدول العربية والإسلامية أن تتأخر كثيرا في خلق التحالف بينها لتوحيد النظام المالي والصناعي والزراعي والتجاري والعسكري..
فكل هذه المستجدات العالمية ستفرض تحالفا عربيا، ولن يكون ذا قيمة دون خلق قيادة ثلاثية مكونة من الدول العربية التالية: المغرب كقوة صاعدة على المستوى الإقليمي، مصر كقوة إقليمية على مستوى الشرق الأوسط، ثم السعودية كقوة على مستوى الخليج.
وهذه القيادة الثلاثية التي ستقود الدول العربية، مطالبة لأن تتحالف بالضرورة مع دول إسلامية غير عربية، وهنا نقصد تركيا كقوة صاعدة اقتصاديا وصناعيا، ثم إيران كقوة عسكرية وصناعية بشرط تخليها عن الطائفية وتغليبها للمصالح الجيوسياسية، وكذلك؛ باكستان، كقوة عسكرية صاعدة هي الأخرى..
فبدون هذه الاستراتيجية المستقبلية لهذه الدول، فإنه لن يكون لها أي وزن على مستوى تدبير النظام العالمي الجديد الذي سيتأسس على نظام منظومة دولية جديدة تأتي على أنقاض منظمة الأمم المتحدة التي ستتجوز لفشلها الذريع في حل النزاعات الدولية.
فالعالم إذا! سيتغير من حولنا بشكل مهول وعلى الدول العربية والإسلامية أن تعد العدة للمرحلة القادمة وإلا ستنطلي عليها الحيلة ويقع لها ما وقع معها بداية القرن العشرين عندما انقسمت على نفسها بين تابع للغرب وتابع للشرق وفقدت بالتالي مكانتها، لقد حان الوقت بأن تتحول مع التحولات العالمية من موقع القوة وليس من موقع الضعف فلا مجال للضعف ولا محل له بين الأمم الصاعدة.
بقلم ذ. حسن حلحول محام بهيئة الرباط