الرائدة في صحافة الموبايل

استقطاب لقجع… إلى أين تتجه الأحزاب المغربية؟

اختار حزب الأصالة والمعاصرة أن يدخل المرحلة الأخيرة التي تسبق الاستحقاقات التشريعية بإعلان سياسي لافت خلال أشغال الدورة الـ 32 للمجلس الوطني للحزب بقصر المؤتمرات الولجة – سلا: استقطاب فوزي لقجع، وتعيينه مباشرة عضوًا في مكتبه السياسي وكذا الاتفاق على منح هذا الأخير تزكية الحزب للترشح للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 في دائرة بركان.

وبصرف النظر عن حق الرجل في اختيار انتمائه السياسي، وحق الحزب في استقطاب من يرى فيهم قيمة مضافة، فإن الحدث لا يستمد أهميته من الانضمام في حد ذاته، بل من السياق الذي جاء فيه، ومن الرسائل التي أراد حزب الأصالة والمعاصرة أن يبعث بها إلى الرأي العام وخصومه السياسيين وقواعده التنظيمية. لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: لماذا التحق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة؟ بل: ماذا يريد الحزب أن يقول بهذا الاستقطاب، وإلى أين تتجه الأحزاب المغربية وهي على أبواب الانتخابات؟

أول ما يلفت الانتباه أن هذا الاستقطاب لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي جاء فيه. فمنذ مدة، وجد حزب الأصالة والمعاصرة نفسه في مواجهة نقاش عمومي طغت عليه ملفات وقضايا معروضة في أروقة المحاكم طالت عددًا من قياداته ومنتخبيه، وأعادت إلى الواجهة أسئلة تتعلق بصورة الحزب ورهانه على تخليق الحياة العامة. وبغض النظر عن المسؤوليات الفردية في تلك الملفات، فإن أثرها السياسي كان حاضرًا في النقاش العمومي، وهو ما جعل الحزب مطالبًا، أكثر من أي وقت مضى، باستعادة زمام المبادرة وإعادة توجيه الاهتمام نحو عناصر قوة أخرى يمتلكها.

في علم الاتصال السياسي، لا تواجه الأحزاب مثل هذه اللحظات بالصمت، بل بإعادة بناء سرديتها السياسية. فهي تسعى إلى الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، ومن الانشغال بالأزمة إلى صناعة حدث جديد يفرض نفسه على النقاش العمومي. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة استقطاب فوزي لقجع، ليس فقط باعتباره انضمام شخصية وازنة إلى الحزب، وإنما أيضًا باعتباره رسالة تقول إن الحزب لا يُختزل في الأزمات التي مر بها، بل ما يزال يمتلك القدرة على استقطاب شخصيات تحظى بحضور قوي في تدبير الشأن العام.

ولعل الطريقة التي قدم بها الحزب هذا الاستقطاب تؤكد أن الأمر يتجاوز مجرد قرار تنظيمي. فقد تصدر اسم فوزي لقجع أشغال المجلس الوطني، وتحدثت الأمينة العامة للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، عن التحاقه بالمكتب السياسي، كما أعلنت أن الحزب سيواصل انفتاحه على أسماء أخرى. ولم يكن ذلك مجرد إخبار بواقعة تنظيمية، بل تقديم صورة لحزب يريد أن يظهر بمظهر التنظيم القادر على استقطاب الكفاءات، والمستعد لخوض الاستحقاقات المقبلة وهو واثق في إمكاناته وفي جاذبيته السياسية.

ولا يبدو اختيار هذا التوقيت صدفة. فالأحزاب، وهي تدخل الأسابيع الأخيرة من السباق على صناديق الاقتراع، تعيد ترتيب أولوياتها، وتبحث عن كل ما يمكن أن يعزز موقعها في المنافسة. ويرى عالم السياسة الأمريكي أنتوني داونز، في كتابه An Economic Theory of Democracy، أن الأحزاب تتصرف، كلما اقترب موعد الاقتراع، بمنطق عقلاني يهدف إلى تعظيم فرص الفوز. فهي تعيد صياغة خطابها، وتختار رسائلها بعناية، وتسعى إلى توسيع قاعدة التأييد بكل الوسائل السياسية المشروعة والمتاحة.

وهي هنا، أي؛ الأحزاب السياسية تتصرف تماماً كـ “الشركات الاقتصاديّة”؛ فإذا كانت الشركات تسعى لـ “تعظيم الأرباح”، فإن الأحزاب السياسية تسعى جاهدة لـ “تعظيم الأصوات والفرص للفوز”، والبام نموذجا. بل إنها قد تعمد إلى تخفيف حدة أيديولوجيتها للتحرك نحو “الوسط السياسي” (حيث يوجد معظم الناخبين المستقلين أو غير الحزبيين)، لكي توسع قاعدة تأييدها وتضمن الفوز بالانتخابات والوصول إلى سدة الحكم.

ومن هذا المنظور، يبدو استقطاب شخصية بحجم فوزي لقجع خطوة منسجمة مع هذا المنطق. فالرجل لا يحضر في المشهد العمومي باعتباره مسؤولًا حكوميًا فقط، بل باعتباره أحد أكثر الوجوه حضورًا في ملفات مالية ورياضية واستراتيجية استأثرت باهتمام الرأي العام خلال السنوات الأخيرة. ومن الطبيعي أن ترى أي قوة سياسية في شخصية بهذا الحضور رصيدًا يمكن أن يعزز صورتها ويمنحها زخمًا إضافيًا وهي تستعد لخوض غمار الانتخابات.

غير أن الاكتفاء بهذا التفسير يظل غير كافٍ! فالأهمية الحقيقية للحدث لا تكمن في استقطاب شخصية وازنة فحسب، وإنما في الرسالة التي يحملها هذا الاستقطاب إلى مختلف الفاعلين السياسيين. فمن الواضح أن الحزب أراد أن يقول لقواعده إنه ما يزال يمتلك القدرة على جذب الكفاءات، وأنه لم يفقد جاذبيته رغم ما واجهه من انتقادات. وأراد، في الوقت نفسه، أن يبعث برسالة إلى منافسيه مفادها أن معركة الانتخابات لن تُخاض بالخطابات وحدها، بل أيضًا بالقدرة على استقطاب شخصيات تحظى بثقة النظام والرأي العام على حد سواء.

لكن الرسالة الأهم تبدو موجهة إلى الناخب نفسه. فحين يختار حزب سياسي أن يجعل من اسم الوافد الجديد أبرز عناوين مجلسه الوطني، فإنه لا يقدم عضوًا جديدًا فحسب، بل يقدم صورة عن نفسه، ويقول ضمنًا: نحن حزب قادر على استقطاب الكفاءات، وقادر على توسيع دائرة الثقة فيه. وهنا ينتقل الحدث من مجرد انضمام فرد إلى عملية سياسية تحمل دلالات تتجاوز الشخص نفسه.

وإذا كان سؤال التنظيم الحزبي يهم الفاعلين السياسيين بالدرجة الأولى، فإن سؤالًا آخر لا يقل أهمية يفرض نفسه من زاوية العلاقة بين الأحزاب والناخبين: على ماذا يبني الناخب اختياره اليوم؟ هل على البرامج والمشاريع السياسية، أم على الأسماء التي تحملها الأحزاب؟

هذا السؤال ليس جديدًا في أدبيات علم السياسة. فقد لاحظ عدد من الباحثين، من بينهم برنارد مانان، أن الديمقراطيات المعاصرة تعرف تحولًا متزايدًا نحو ما سماه “ديمقراطية الجمهور”، حيث أصبحت الشخصيات والقيادات تحظى باهتمام يفوق أحيانًا اهتمام الناخبين بالبرامج نفسها. كما تحدث باحثون آخرون عن تنامي ظاهرة “شخصنة السياسة”، أي انتقال مركز الثقل من الحزب بوصفه مؤسسة إلى الشخص بوصفه واجهة انتخابية.

ولا يمكن الجزم بأن هذا التحول ينطبق بالكامل على الحالة المغربية، لكنه يثير سؤالًا مشروعًا: عندما يصبح استقطاب شخصية وازنة هو الحدث السياسي الأبرز قبيل الانتخابات، بينما لا تحظى البرامج والسياسات العمومية بالزخم نفسه، فهل يعكس ذلك تحولًا في سلوك الأحزاب، أم في انتظارات الناخبين، أم في كليهما معًا؟

لعل هذه هي الإشكالية التي تستحق النقاش أكثر من الجدل حول انتقال شخص من حزب إلى آخر. فاستقطاب الكفاءات حق مشروع، بل قد يكون مطلوبًا عندما يهدف إلى تجديد النخب وإغناء العمل السياسي. كما أن من حق أي حزب أن يبحث عن أفضل الكفاءات القادرة على المساهمة في مشروعه. غير أن قيمة هذا الاستقطاب لا تُقاس بوقعه الإعلامي فقط، وإنما بمدى اندماج تلك الكفاءات في رؤية سياسية واضحة، وبقدرة الحزب على إقناع الرأي العام بأن اختياراته ليست مجرد رهان انتخابي ظرفي، وإنما جزء من مشروع متكامل.

ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند فوزي لقجع، ولا عند حزب الأصالة والمعاصرة وحده. فالحالة، مهما كانت خصوصيتها، تطرح سؤالًا أوسع يهم مجمل الحياة الحزبية المغربية: كيف تبني الأحزاب شرعيتها اليوم؟ هل عبر التدرج التنظيمي وصناعة القيادات من داخلها، أم عبر استقطاب شخصيات راكمت رصيدها خارج التنظيم؟ وهل يمكن الجمع بين المسارين دون أن يفقد الحزب هويته التنظيمية أو يشعر مناضلوه بأن منطق الاستحقاق تغير؟

قد يكون من المبكر إصدار أحكام قاطعة، لكن المؤكد أن استقطاب فوزي لقجع أعاد هذه الأسئلة إلى واجهة النقاش السياسي. وربما تكمن أهمية الحدث هنا بالذات؛ فهو لا يدعونا إلى التفكير في مستقبل رجل أو حزب، بقدر ما يدعونا إلى التفكير في مستقبل الممارسة الحزبية نفسها.

وهنا، لا بد من طرح السؤال الأعمق الذي يتجاوز شخص لقجع وحزب “البام”، ليمس صميم الأزمة التي تعيشها الأحزاب السياسية المغربية: ماذا لو لم تكن “الكفاءة” مجرد قيمة مضافة يبحث عنها الحزب، بل هي “المشروع” نفسه في صورته النهائية؟ ماذا لو كان استقطاب فوزي لقجع لا يعكس بحثاً عن شخص يحمل مشروعاً سياسياً، بل هو تتويج لمنطق يختزل المشروع السياسي برمته في القدرة على “التدبير”؟

في هذا السيناريو، فالحزب السياسي لا يحمل رؤية مجتمعية أو أيديولوجية يسعى إلى تجسيدها عبر السلطة، بل، تحول إلى ما يشبه “شركة تدبير عمومي” تتنافس على الفوز بصفقة تدبير الشأن العام و”حكومة المونديال”. لا يهم هنا أن موقف فوزي لقجع من القضايا الملحة بقدر ما تختزله صورة لقجع “المدبر القوي” الذي أنقذ المالية العامة، وأصلح كرة القدم، وقاد المشاريع الكبرى. إنه “الخبير” الذي يضمن الكفاءة، أكثر منه “السياسي المحنك”.

هذا التحول من “السياسي” إلى “التكنوقراطي” ليس مجرد تحول في الأفراد، بل هو علامة على فراغ أعمق. فعندما تعجز الأحزاب عن إنتاج مشاريع مجتمعية قابلة للتنزيل، أو عندما تفقد الأيديولوجيات قدرتها على التعبئة، يصبح “الوعد بالكفاءة” هو الملاذ الأخير. لم يعد الناخب يُسأل: “في أي مجتمع تريد أن تعيش؟”، بل يُخاطَب بالقول: “من تثق به ليدير شؤونك اليومية بكفاءة؟”. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: فتحويل السياسة إلى مجرد “تدبير” يفرغها من جوهرها، ويجعل التنافس الانتخابي أقرب إلى مناقصة للظفر بمدير كفؤ، لا إلى معركة حول خيارات المجتمع ومصيره.

فانضمام لقجع إذا! لا يختبر فقط قدرة حزب “الأصالة والمعاصرة” على التجديد، بل يختبر الفرضية القائلة إن الأحزاب المغربية، في سعيها المحموم لتعظيم فرص الفوز، قد تكون بصدد التحول بشكل لا رجعة فيه من “حوامل أيديولوجية” تتنافس على قيادة المجتمع، إلى “وكلاء للتدبير الإداري” للدولة، يتوسلون ثقة الناخبين بناءً على الكفاءات الفردية لمنتسبيهم، لا على جاذبية المشروع الذي يحملونه. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن الحكم على نجاح هذه الاستراتيجية لن يكون بعدد المقاعد التي سيفوز بها الحزب، بل بمدى قدرته، وقدرة غيره، على إعادة اختراع السياسة كفضاء للاختيار المجتمعي، لا مجرد سوق للكفاءات التدبيرية. ويكون السؤال الأخطر: إذا أصبحت كل الأحزاب “مُدبِّرة”، فمن سيبقى ليُفكِّر في “ماذا نُدبِّر” وإلى “أين نمضي”؟

فالانتخابات تُقاس بنتائج صناديق الاقتراع، لكن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأصوات، بل بطبيعة التنافس الذي يسبقها. وكلما نجحت الأحزاب في الجمع بين الكفاءة والمشروع، وبين تجديد النخب واحترام التدرج التنظيمي، وبين قوة الأسماء وقوة الأفكار، اقتربت أكثر من أداء الوظيفة التي وجدت من أجلها: تأطير المجتمع، وإنتاج البدائل، وبناء الثقة في العمل السياسي.

ويبقى السؤال الذي ستحسمه الممارسة، هل نحن أمام خطوة ظرفية فرضتها رهانات محطة انتخابية بعينها، أم أمام تحول أعمق في تصور الأحزاب المغربية لوظيفتها؟ فإذا كان استقطاب الكفاءات يعكس حيوية الحزب وانفتاحه، فإن التحدي الحقيقي سيظل في قدرته على تحويل تلك الكفاءات إلى جزء من مشروع سياسي متماسك، لا إلى مجرد عنوان انتخابي عابر!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد