من التمثيل البصري إلى السلوك اليومي.. كيف تصنع الشاشة قيّمنا الإستهلاكية؟.. قراءة في كتاب
دنا بريس
فاطمة الزهراء أيت اوعدي – صحافية متدربة
تفرض الشاشات المعاصرة سطوة بصرية غير مسبوقة على المجتمعات الحديثة، حيث تحولت الصورة من أداة لنقل الأحداث إلى محرّك أساسي يعيد صياغة الوعي البشري. هذا التطور الملموس هو ما يناقشه الفصل الثاني من كتاب الدكتور حسن بوحبة، والمعنون بـ “الهوية والصورة الإعلامية: النسق العام”، مسلطاً الضوء على الكيفية التي تتحول بها التمثلات البصرية إلى ممارسات وسلوكيات يومية يعيشها الأفراد. وتكمن المفارقة هنا في أن المتلقي يتبنى قيماً استهلاكية وعولمية جديدة وهو يعتقد تماماً أنها نابعة من هويته وقناعاته الشخصية، في حين أنها في العمق مجرد منتج مصنّع داخل النسق الإعلامي العام؛ حيث يؤكد المؤلف في متن هذا الفصل أن “الصورة الإعلامية لم تعد وسيلة فرجة، بل غدت نسقاً موجهاً يصنع قيم الاستهلاك ويعيد هندسة السلوك البشري”.
وينحدر الشرح في هذا الفصل عبر مسارين متكاملين؛ يدرس أولهما المظهر الخارجي للخطاب، حيث يربط الكاتب بين الثقافة والاتصال، موضحاً كيف استغلت الرأسمالية الثورة المعلوماتية لفرض العولمة وتعميق الفجوة الرقمية بين الشعوب. ويظهر هذا التأثير أيضاً في كيفية توظيف الخطاب الديني في القنوات والمؤسسات الإعلامية، حيث يشير الدكتور بوحبة في تحليله لآليات التوجيه الإعلامي إلى خطورة “تسليع الرموز الروحية وتحويل المقدس إلى أدوات دنيوية”، لتتحول بفعل هذا التوظيف إلى تمثلات بصرية تخدم مصالح وأجندات اقتصادية تهدف بالأساس إلى توجيه الجمهور نحو مسارات استهلاكية محددة ومبرمجة.
أما المسار الثاني فيركز على الجانب النفسي والذهني للمتلقي، وهنا يستعين المؤلف بنظريات علم النفس المعرفي ليفكك كيف تبنى هوية الإنسان منذ الصغر بشكل طبيعي، قبل أن تتدخل الشاشات لتصنع ما يُعرف بـ “الهوية المترنحة”؛ وهي العبارة والمفهوم الذي صاغه الكاتب بدقة في هذا الفصل ليصف به “حالة التشتت وفقدان التوازن الثقافي الأصيل التي تصيب المشاهد نتيجة التكرار البصري الموجه”، فيحل المكون الإعلامي الدخيل مكان العادات والثقافة الأصيلة دون أن يشعر الفرد بهذا الاختراق المعرفي لوعيه اليومي.
إن خطورة هذا التأثير لا تقف عند حدود المشاهدة العابرة، بل تتحول عبر شحن ممنهج إلى سلوك وعادات يومية، فالصورة لا تنقل الواقع بحياد بل تعيد صياغته لتخلق في العقول تشوّهات فكرية توجّه اختيارات الأفراد ونمط عيشهم. وبذلك، يتحول استهلاك هذه التمثلات البصرية المستمرة إلى عادات وعقليات استهلاكية حديثة يدافع عنها الفرد باعتبارها تمثل شخصيته وحداثته، في حين يشدد الكاتب في سياق نقده للمنظومة الإعلامية المعولمة على أنها “قيم مصنعة وموجهة داخل مختبرات الإعلام المعولم” الذي يسعى بكل وسائله لتنميط السلوك البشري وجعله تابعاً له.
وفي الختام، يظهر بوضوح من خلال الأطروحة الفكرية التي يطرحها الدكتور حسن بوحبة أن حماية المجتمعات من هذا التميع القيمي تقتضي تجاوز مرحلة التلقي العفوي لما تعرضه الشاشات. إذ يخلص الفصل في نهايته إلى طرح بديل معرفي يكمن في “ضرورة نشر التربية الإعلامية والوعي السيميائي في المجتمعات”، لصناعة جيل يمتلك حساً نقدياً قادراً على تفكيك الرسائل المستترة وراء كل تمثيل بصري يُعرض عليه، حتى لا يتحول المشاهد إلى مجرد مستهلك يسيره نسق إعلامي خارجي، بل فاعلاً واعياً يحافظ على أصالته وثقافته وسط عالم رقمي دائم التغير.