السامية والهولوكوست.. بين التاريخ والتوظيف السياسي
دنا بريس
كنزة البخاري – صحافية متدربة
ليست الحروب وحدها ما يعيد تشكيل صورة العالم، بل المصطلحات التي تُنتجها السياسة والتاريخ كذلك. فبعض هذه المفاهيم؛ لا تكتفي بوصف الوقائع، وإنما تساهم في صياغة طريقة فهمها وتحديد زوايا النظر إليها. ومن بين أكثر هذه المفاهيم إثارة للجدل في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر، تبرز مصطلحات مثل “السامية” و”معاداة السامية” و”الهولوكوست”، التي تجاوزت حدودها اللغوية والتاريخية لتصبح جزءاً من معركة تشكيل الوعي في العالم الحديث.
في هذا السياق، يبرز المشروع الفكري للمفكر عبد الوهاب المسيري بوصفها إحدى أبرز المحاولات العربية لتفكيك هذه المفاهيم وإعادة قراءتها وفق تقاطع التاريخ واللغة والسياسة، بعيداً عن المسلمات الجاهزة والسرديات السائدة.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة بالعودة إلى كتاب “حرب المصطلحات”، الصادر عن اتحاد الصحفيين العرب، والذي قُدِّم بوصفه محاولة عربية لتصحيح المفاهيم والمصطلحات المتداولة في الإعلام عند تناول الصراع العربي الصهيوني.
فالكتاب، الذي شارك في إعداده جملة من الباحثين والمفكرين العرب يتقدمهم عبد الوهاب المسيري وحنان عشراوي، لا يكتفي بشرح المصطلحات الشائعة، بل يسعى إلى تفكيك خلفياتها التاريخية والسياسية والإعلامية، وإعادة النظر في الدلالات التي اكتسبتها بفعل التوظيف السياسي والإعلامي عبر العقود، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الصراع لا يدور فقط حول الأرض والحدود، بل أيضاً حول اللغة والمفاهيم التي تُصاغ بها الروايات وتُبنى من خلالها المواقف.
تبدأ السردية من الشرق القديم، حيث تشكلت عبر آلاف السنين شعوب ولغات وحضارات متداخلة امتدت من الجزيرة العربية إلى الهلال الخصيب. وفي الدراسات اللغوية الحديثة ظهر مصطلح “السامية” للدلالة على عائلة من اللغات التي تنتمي إليها العربية والعبرية والآرامية والأكادية وغيرها.
ويرى عبد الوهاب المسيري أن مفهوم السامية في أصله ليس مفهوماً عرقياً، بل تصنيف لغوي وثقافي. ويشير في موسوعته إلى أن المصطلح «يُطلق على مجموعة من الشعوب عاشت في رقعة كبيرة من الأرض (تضم شبه الجزيرة العربية والشام وبلاد الرافدين) وتتحدث بمجموعة من اللغات المتقاربة هي اللغات السامية».
كما يوضح أن هذه التسمية شملت عبر التاريخ «الأشوريين والبابليين والآراميين والكنعانيين والفينيقيين والعبرانيين والأدوميين والعمونيين والعرب»، وأن العرب يشكلون اليوم الامتداد الأكبر للشعوب السامية. ومن هنا يشير المسيري إلى أن استخدام المصطلح بوصفه هوية بيولوجية متجانسة لا يجد سنداً علمياً قوياً، خصوصاً أن «العبرانيين، أي اليهود القدامى، ينتمون إلى الشعوب السامية وليس إلى مجموع اليهود بوجه عام».
ويعزز المسيري هذا الطرح بالتأكيد على أن الرابط بين الساميين لم يكن عرقياً خالصاً، إذ إن «أهمها الرابطة اللغوية، ولكن هذه الرابطة ليست الرابطة الوحيدة»، مشيراً إلى وجود تشابهات اجتماعية وثقافية ودينية بين الجماعات السامية القديمة. ومن هنا يطرح سؤالاً أساسياً: كيف انتقل مفهوم لغوي إلى أداة سياسية تُستخدم لتحديد الهويات والحقوق والشرعيات؟
في أوروبا بالقرن التاسع عشر، كانت القارة تعيش صعود القوميات الحديثة والنظريات العرقية. وفي هذا المناخ ظهر مصطلح “معاداة السامية” على يد الصحفي الألماني فيلهلم مار سنة 1879.
وبحسب قراءة المسيري، فإن المصطلح لم يكن توصيفاً بريئاً، بل جاء في سياق محاولة إعطاء العداء لليهود غطاءً عرقياً جديداً بعد أن كان يُفسَّر في إطار ديني مسيحي. ويشير إلى أن هذا التحول ارتبط بظروف سياسية واقتصادية محددة، إذ إن الكتاب الذي صاغ المفهوم صدر «بعد المضاربات التي أعقبت الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871) والتي أدت إلى دمار كثير من الممولين الألمان الذين ألقوا باللوم على اليهود». وبدلاً من الحديث عن خلافات دينية أو اجتماعية، أصبح الحديث يدور حول “أعراق” و”هويات” و”خصائص ثابتة”.
ويلفت المسيري الانتباه إلى مفارقة لغوية لافتة؛ فالمصطلح يتحدث عن “السامية” بينما يُستخدم عملياً للإشارة إلى اليهود وحدهم، رغم أن مفهوم السامية يشمل شعوباً ولغات أخرى عديدة. ولهذا يلاحظ أن «العبارة إذا أُخذت بمعناها الحرفي فإنها تعني العداء للساميين أو لأعضاء الجنس السامي الذي يشكل العرب أغلبيته العظمى»، وهو ما يكشف الفجوة بين المعنى اللغوي الأصلي والاستخدام السياسي الذي استقر لاحقاً.
ومع تأسيس إسرائيل وتطور الصراع العربي الإسرائيلي، دخل المفهوم مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فلم يعد النقاش مقتصراً على التمييز ضد اليهود كجماعة دينية أو إثنية، بل امتد إلى الجدل حول حدود النقد السياسي المشروع لإسرائيل.
ويشير المسيري إلى أن توسيع مفهوم “معاداة السامية” ليشمل طيفاً واسعاً من الانتقادات السياسية أثار نقاشاً كبيراً داخل الأوساط الأكاديمية والحقوقية. فبحسب تحليله «اختلط المجال الدلالي للمصطلح تماماً بعد ظهور الصهيونية»، ولم يعد هناك تمييز واضح بين أشكال العداء التاريخية المختلفة، إلى درجة أن «معاداة الصهيونية، بل والدولة الصهيونية هي الأخرى، تُصنف باعتبارها من ضروب معاداة اليهود». وبينما يرى البعض أن هذا التوسع ضروري لمواجهة أشكال جديدة من الكراهية، يحذر آخرون من الخلط بين معاداة اليهود كجماعة بشرية وبين نقد سياسات دولة أو مشروع سياسي.
ومن هنا يتحول السؤال من سؤال الهوية إلى سؤال المعنى: أين ينتهي النقد السياسي وأين تبدأ الكراهية؟
فإذا كانت “معاداة السامية” تمثل إحدى أكثر المفاهيم إثارة للجدل، فإن “الهولوكوست” يمثل أحد أكثر الأحداث حضوراً في الذاكرة الغربية المعاصرة. فقد شكلت الإبادة التي تعرض لها يهود أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية جرحاً عميقاً في الضمير الإنساني، لكن النقاش، كما يوضح المسيري، لا يتعلق فقط بالحدث التاريخي، بل أيضاً باللغة المستخدمة لوصفه.
فمصطلح “الهولوكوست” يحمل جذوراً دينية، إذ يذكر المسيري أن الكلمة كانت «في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً يشير إلى القربان الذي يُضحى به للرب، فلا يُشوى فقط بل يُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح». بينما يفضل بعض الباحثين استخدام تعبيرات أكثر وصفية مثل “الإبادة النازية ليهود أوروبا”.
ويرى المسيري أن اختيار المصطلحات ليس مسألة لغوية فحسب، بل يعكس أحياناً طريقة فهم الحدث وموقعه داخل الذاكرة الجماعية، مشيراً إلى أن استخدام كلمة “هولوكوست” قد يؤدي إلى «تشبيه الشعب اليهودي بالقربان المحروق أو المشوي»، بما يضفي على الحدث دلالات تتجاوز حدوده التاريخية.
ولا ينكر المسيري حجم الجريمة النازية أو فظاعتها، لكنه يتساءل عن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الذاكرة التاريخية إلى عنصر فاعل في الصراع السياسي المعاصر. وفي هذا الإطار يناقش ما يعتبره بعض الباحثين توظيفاً سياسياً لذاكرة الهولوكوست داخل الخطاب الغربي والإسرائيلي، حيث تصبح المأساة التاريخية جزءاً من الجدل الدائر حول الشرعية والهوية والسياسات الراهنة.
ويستشهد في هذا السياق بظهور مصطلحات مثل «Holokitsch» و«Holocaust Business» للتعبير عن الاستياء من توظيف المأساة في سياقات سياسية أو تجارية.
غير أن هذا الطرح يظل محل نقاش واسع، إذ يرى آخرون أن الحفاظ على مركزية ذكرى الهولوكوست ضرورة أخلاقية لمنع تكرار جرائم الإبادة الجماعية في المستقبل.
بالنسبة لعبد الوهاب المسيري، فإن القضية في جوهرها ليست مجرد خلاف حول أحداث تاريخية، بل هي صراع على تعريف المفاهيم نفسها. فمن يملك القدرة على تعريف المصطلحات، يملك في كثير من الأحيان القدرة على توجيه النقاش العام وصياغة الرواية السائدة.
وهكذا تصبح السامية أكثر من تصنيف لغوي، وتصبح معاداة السامية أكثر من ظاهرة اجتماعية، ويصبح الهولوكوست أكثر من حدث تاريخي. إنها جميعاً مفاهيم تتحرك بين التاريخ والسياسة والذاكرة، وتظل مفتوحة على قراءات متعددة ومتعارضة.
هذا ومن الجذور اللغوية للشعوب السامية إلى الجدل المعاصر حول معاداة السامية والهولوكوست، تتكشف رحلة طويلة من التحولات المفاهيمية التي جعلت الكلمات نفسها ساحة للصراع. وفي عالم تُصنع فيه السياسات أحياناً عبر السرديات بقدر ما تُصنع عبر الوقائع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام صراع على الأرض فقط، أم أمام صراع أعمق على المعنى والذاكرة وحق رواية التاريخ؟