الرائدة في صحافة الموبايل

الخطاب بين سلطة العنف اللساني وأفق الفهم والتحليل.. قراءة نقديّة مسترسلة

تتأسس القراءة النقدية في كتاب «منهج لسانيات النص وتحليل الخطاب في معالجة القضايا الاجتماعية» للمؤلف الأكاديمي الدكتور عبد الرحمن بن محمد بودرع، والصادر عن دار الإحياء للنشر والتوزيع بطنجة (الطبعة الأولى، 2025م)، على أرضية فكرية محورية ترى أن الخطاب اللغوي ليس مجرد أداة محايدة لنقل الأفكار أو رصد الوقائع، بل هو بنية ديناميكية فاعلة تُسهم مباشرة في إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي، وتتأثر به في علاقة جدلية مستمرة. ومن هذا المنطلق، يتخذ الباحث من “التحليل النقدي للخطاب” بمقاربتيه المعرفية التداولية والاجتماعية السياسية أداة كشف تفكيكية تعيد قراءة الظواهر المجتمعية انطلاقاً من منطقها اللغوي، مبيناً أهمية الغوص في عمارة النصوص لتجاوز التلقي العفوي السطحي.

ولذلك، يؤكد المؤلف أن التحليل النصي هو شرط رئيس في كل خطوة لإنتاج خطاب أكاديمي رصين، معتبراً أن المقاربة الأولى في هذا المنهج [سَعَتْ إلى بيان أهمية تحليل الخطاب في بيان الأبعاد السياسية والاجتماعية والمعرفية في النصوص اللغوية التي تُنتجها تلك الجهات الاجتماعية السياسية، وتحليلها تحليلاً نقدياً يتجاوز التلقي المباشر] (ص. 50). إن هذا الغوص المعرفي لا يقف عند حدود استخراج المضامين الجاهزة، بل يتعداه ليفكك “الأنساك الذهنية التصورية” التي توجّه إنتاج الخطاب، مرسخاً حقيقة أن عالم النصوص هو في جوهره معادل موضوعي لعالم الواقع وما يموج فيه من تفاعلات وقوى وهيمنة.

وتأسيساً على هذه القواعد النظرية، ينحدر التحليل في الكتاب بسلاسة ليتفرع في رصد التجليات السلبية التي تصيب الممارسة اللغوية المعاصرة عندما تنحرف عن دورها الباني، وهو ما يُصطلح عليه بـ”العنف اللساني”؛ حيث تتحول اللغة هنا من وعاء قيمي إلى أداة هدم وتشوية تؤثر في نفسية المتلقي وتفسد المعنى والمبنى معاً. ويمضي المؤلف في تتبع هذه الظاهرة معجمياً ليرى أن [«العنف اللساني صفة منبوذة» تنبذها المعاجم اللغوية والتعريفات التي ترى العنف ردّ فعل غير متّزن على قول أو فعل أو وضع أو ظاهرة ترفع عن المتكلّم القدرة على التحكّم في اللغة] (ص. 34). هذا الخروج عن الاتزان اللغوي يمثل في عمقه اهتزازاً في “بنية القيم” التداولية، مما يفسح المجال لبروز عادات كلامية هجينة تسهم في نشر الردء الأخلاقي والاجتماعي داخل القنوات الإعلامية والممارسات التفاعلية اليومية.

بيد أن هذا الانحراف اللفظي لا يتوقف عند حدود الإساءة العابرة، بل يتطور عبر شحن أيديولوجي ممنهج ليتماهى مع أخطر ظواهر العصر، منتجاً ما يُعرف بـ”خطاب التطرف”، الذي يفككه الدكتور بودرع مبيناً أنه يبدأ كفكرة وتصور في الذهن قبل أن يترجم إلى سلوك مادي في الواقع، ويعرّفه بوصفه تشوهاً معرفياً ونفسياً يعوق الفرد عن التفكير المنطقي وضبط مواقفه، موضحاً أن [التطرّف عبارة عن تشوّه معرفيّ يحمله خطاب مشوّه فكرياً ونفسياً، مكوّن من أفكار غير منطقية «تحدّ من قدرة الفرد على التحكّم والضبط عند مواجهة المواقف والمشكلات»] (ص. 37)؛ إذ يتغذى هذا الخطاب على التوجيه المغلوط وتكرار الوعظ والتهويل الترهيبي بهدف السيطرة العاطفية على المتلقين وتوجيه سلوكهم بشكل أعمى.


وفي نقطة تحول مفصلية تجمع بين قوة التسلسل وعمق التطبيق، يسحب المؤلف هذه الأدوات التفكيكية ليطبقها على سياق معاصر غاية في الحساسية، كاشفاً أن التطرف وإنتاج العنف اللساني ليس حكراً على جهة دون أخرى، بل إن “خطاب المواجهة” وحملات الحرب على الإرهاب في السياق الغربي قد سقطت في الفخ ذاته، وتحولت عبر استراتيجياتها الإعلامية والأمنية المتشنجة إلى صانع حقيقي لظاهرة “الإسلاموفوبيا” وتشويه صورة المسلمين.

ويظهر هذا التفرع التحليلي بوضوح حين يرصد الباحث الآثار العكسية لتلك السياسات الأمنية كاستراتيجية الوقاية البريطانية التي تحولت إلى أداة ضغط نفسي واجتماعي أنتجت أزمة ثقة حادة، مؤكداً أن [الضغط على أفراد الجالية يُقلل فُرصَ نجاح استراتيجية «الوقاية» وقد أسهم الإعلام الغربيّ أيضاً في نشر «خطاب الكراهية»] (ص. 39)، حيث يتبين كيف أدى هذا التوظيف السياسي العنيف للمصطلحات، وتغاضي القوى الكبرى عن المعالجة الموضوعية، إلى بناء جدار من التخويف الممنهج والعزلة التي تعوق اندماج الجاليات المسلمة وتعمق فجوة الصدام الحضاري نتيجة تراجع منسوب التعاون بين الجاليات والأجهزة الأمنية.


ولأن التحليل النقدي الرصين لا يكتفي بالتشخيص بل يمتد للعلاج، يختم المؤلف هذه المحطة بتقديم بديل معرفي وأخلاقي يتجلى في صياغة “الخطاب المضاد للتطرف” أو “خطاب الفهم والتحليل”، وهو خطاب عقلاني يستند إلى سنن اللغة وقوانين المجتمع المعرفية، ويرتكز أساساً على خطوة واعية قوامها [تصحيح المفاهيم وإشاعة معجم من الكلمات التي تتدخل في السياق، نحو: الاعتدال, والوسطية، والتسامح والصفح، وسلامة الصدر، والإخاء، وأدب الحوار…] (ص. 37).

ويخلص المقال النقدي في نهايته إلى إمكانية استثمار “بلاغة الاستعارة التداولية الحكيمة” والمفاهيم الإيجابية المستعارة من الحقول الإنسانية الناعمة لتليين المواقف السياسية والإعلامية الحادة؛ مما يعيد للغة توازنها البنائي الأوّل بوصفها وعاءً حاملاً للقيم، وضامناً أساسياً للأمن والسلم المجتمعي، وقارب إنقاذ للتفاهم الإنساني المشترك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد