كتل خرسانية تخنق واد الشعبة وتفجّر فيضانات آسفي
شهدت مدينة آسفي خلال الأيام الأخيرة فيضانات وُصفت بالمدمّرة، خلّفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، وأعادت إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الكارثة. فبينما جرى ربط ما وقع بقوة التساقطات المطرية، تشير معطيات ميدانية وشهادات متطابقة لعدد من السكان والفاعلين المحليين إلى أن السبب المباشر يتمثل في إغلاق منفذ واد الشعبة بواسطة كتل خرسانية ضخمة، ما حوّل مجرى الواد إلى بؤرة خطر داهم.
ويُعد واد الشعبة من المجاري الطبيعية الحيوية التي تضطلع بدور أساسي في تصريف مياه الأمطار والسيول القادمة من المرتفعات المحيطة بالمدينة. غير أن تدخلات بشرية وُصفت بغير المدروسة، تمثلت في وضع كتل إسمنتية عند منفذ الواد، أدت إلى عرقلة جريان المياه بشكل شبه كامل، ما تسبب في تراكم كميات هائلة من السيول خلال فترة زمنية قصيرة.
وأظهرت مقاطع فيديو وصور جرى تداولها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي وجود هذه الكتل الخرسانية، التي وُضعت، بحسب المعطيات المتوفرة، في إطار أشغال أو ترتيبات عمرانية لم تُراعِ القواعد الأساسية للسلامة المائية، ولم تستند إلى دراسات هيدرولوجية دقيقة. ومع أول موجة أمطار قوية، لم يجد الواد منفذًا طبيعيًا لتصريف المياه، فارتدّت السيول نحو الأحياء السكنية، متسببة في غمر الشوارع والمنازل وخلفت مشاهد صادمة.
ويرى متابعون أن ما حدث لا يمكن اعتباره “كارثة طبيعية” بالمعنى الدقيق، بل نتيجة مباشرة لقرارات بشرية خاطئة. فالتساقطات المطرية، مهما بلغت شدتها، تبقى ظاهرة متوقعة، في حين أن سدّ مجرى واد بكتل خرسانية دون دراسة علمية هو تقصير إداري وتقني واضح، دفعت الساكنة ثمنه من أرواحها وممتلكاتها.
وفي ظل حجم الخسائر، عبّر سكان آسفي عن غضبهم واستيائهم، مطالبين بفتح تحقيق عاجل ومستقل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تورطه في اتخاذ قرارات ساهمت في تفاقم الفيضانات. كما دعوا إلى الإزالة الفورية للكتل الخرسانية، وإعادة فتح مجرى واد الشعبة، واعتماد حلول مستدامة تحترم الخصوصيات الطبيعية وتضمن سلامة المواطنين.
وتعيد فاجعة آسفي إلى الواجهة، مرة أخرى، مخاطر العبث بالمجاري المائية الطبيعية، مؤكدة أن أي تخطيط عمراني لا يضع سلامة الإنسان في صلب أولوياته يظل عرضة للفشل. وستظل كتل واد الشعبة، وفق متابعين، شاهدًا صارخًا على أن فيضانات آسفي لم تكن حتمية، بل نتيجة قرارات خاطئة تستوجب المحاسبة حتى لا تتكرر المأساة.