المشهد الإعلامي المغربي تحت مجهر التشريح العلمي والمهني
كتب: عبدالعالي الطاهري
هي واحدة من المبادرات العلمية والأكاديمية، التي شهدتها رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، حيث نُظمت ندوة وطنية يوم الجمعة 27 دجنبر 2019،تحت عنوان ” المشهد الإعلامي ..وقائع وآفاق”، من تنظيم مختبر الدراسات السياسية والحكامة الترابية بذات الكلية بتنسيق مع الهيئة المغربية للصحافيات.
بعد الكلمة الترحيبية للسيد العميد وكلمتي السيد رئيس شعبة القانون العام وكذا السيد مدير مختبر الدراسات السياسية والحكامة الترابية، افتتحت الجلسة الأولى من هذا النشاط العلمي ذو الحمولة المعرفية المرتبط بواقع المشهد الإعلامي الوطني بشتى تمفصلاته ومُخرجاته.
الدكتور محمد حفيظ الصحفي المهني السابق والأستاذ الجامعي الحالي،تناول بالدراسة والتحليل محور ” المشهد الإعلامي بالمغرب بين الوصاية الرسمية والوصاية غير الرسمية”،فطرح تشريحا دقيقا في سياق كرونولوجي لفترات من تاريخ المغرب، حيث ارتبطت وزارة الاتصال أو الإعلام بالعديد من القطاعات الحكومية،التي لايمكن أن ترتبط بها لا من حيث المرجعية أو الطبيعة كقطاع وزاري،فتارة ارتبطت بالداخلية كما هو الحال على عهد وزير الداخلية القوي إدريس البصري وسُميت “وزارة الداخلية والإعلام”، وفي أحيان أخرى ارتبطت حكوميا بوزارات الثقافة والسياحة والشبيبة والرياضة، كما هو واقع الحال الآن.وقد أكد الأستاذ حفيظ أن مسألة استقلالية الممارسة المهنية للإعلام،هي بالأساس مسؤولية الصحفي و المؤسسات والمنشآت الصحفية.
الدكتور محمد رضوان الإعلامي والباحث الأكاديمي،تطرق في معرض مداخلته إلى مسألة ” الإعلام الإلكتروني بالمغرب..إشكالات قانونية ومهنية”،ليضع اليد على مكامن الخلل على مستوى مرجعية عمل وتصور وكذا المنتوج الصادر عن الصحافة الإلكترونية المغربية،في مجملها وليس كلها،فسرد العديد من مظاهر التسيب والاختلالات التي أصبحت السمة الأساسية لأغلب المواقع الإلكترونية، من قبيل الغياب التام للأخلاق المهنية، السطو على مقالات ومنتوجات صحفية دون الإشارة لأصحابها،وهو ما يدخل في خانة السرقة والقرصنة الفكرية،علاوةً على إنتاج التفاهة ومن ثمة ” المساهمة” السلبية في تسطيح النقاش العمومي وفي انحطاط الذوق العام لدى المتلقي.
الأستاذ رضوان أكد على أنه رغم وجود نصوص قانونية حديثة جاءت لتقنين وتأطير المشهد الإعلامي الإلكتروني الوطني،إلا أنه وفي غياب الوعي الجماعي المفروض في المشتغلين في هذا الحقل،خاصة على مستوى تجويد المادة الإعلامية والإيمان بأن ” ثقافة الطوندونس” ليست هي معيار المهنية الإعلامية،فلا يمكن انتظار الشيء الكثير فيما يخص تخليق هذه الشريحة من الصحافة الإلكترونية.

الدكتور سعيد خمري رئيس شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية،تناول بالدرس والتحليل المحور المتعلق ب “حرية الصحافة بالمغرب بين المعايير الدولية والتشريع الوطني”،حيث أشار بداية إلى أن حرية الصحافة ترتبط كونياً بالحق في حرية التعبير الذي يعتبر جوهر حقوق الإنسان،استنادا للوارد في المواثيق الدولية،مؤكداً على أن حرية الصحافة يجب أن تكون دائماً مقرونة بإعمال مضامين ميثاق أخلاقيات المهنة والالتزام بالممارسة السليمة والموضوعية في احترام تام لحرية الآخر،أ كان أفرادا أو مؤسسات أو جماعات.
وخلال الجلسة الثانية من هذه الندوة الوطنية،جاء تدخل الأستاذ عبدلله البقالي رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية حول “المتغيرات في المشهد الإعلامي الوطني”،حيث بسط بالتشريح والمعالجة أهم المتغيرات والمستجدات التي طبعت المشهد الإعلامي الوطني، خاصة فيما يتعلق بظهور الإعلام الإلكتروني الذي صار مكوناً أساسيا ومؤثرا،ارتباطا بصيرورة وتطور قطاع الصحافة بالمغرب،مؤكدا في ذات السياق “أن هذا التطور يجب أن يكون داخل إطار تحكمه قوانين منظِمة ومؤطرة للقطاع،حتى لانصبح أمام انزلاقات وسلوكيات،قد نعجز عن التحكم في تبعاتها وعواقبها لاقدر الله”.
نقيب الصحفيين المغاربة،الأستاذ عبدالله البقالي،اعتبر خروج مؤسسة المجلس الوطني للصحافة إلى الوجود،بمثابة طفرة نوعية وقيمة مضافة وازنة بالنسبة للمؤسسات الإعلامية وبشكل أكبر لجميع الصحفيات والصحفيين المهنيين،آملا أن تتظافر جهود أبناء المهنة الواحدة لإغناء المنتوج الإعلامي وتقوية هياكل المشهد الإعلامي المغربي.
وقد جاءت مداخلة الأستاذة فاطمة الزهراء أورياغلي الصحفية صاحبة التجربة المهنية الطويلة ونائبة رئيس المجلس الوطني للصحافة،في المحور المنصَب حول “تكوين الصحفيين وتكييفه مع احتياجات قطاع الصحافة،في ظل العولمة والرقمنة”،حيث قدمت عبر إحصائيات معتمدة على دراسات مقارنة،الدور الهام والمفصلي الذي يلعبه عنصر التكوين المستمر للصحافيين،خاصة فيما يخص التمكن من مسايرة آخر مستجدات الممارسة الإعلامية وكذا تطوير الأداء والمردودية في ارتباطه الوثيق بتجويد المنتوج الإعلامي،إذ لا يمكن تصور جودة على مستوى المادة الإعلامية في ظل غياب التكوين والتكوين المستمر.
الأستاذ عمر الشرقاوي،تناول في معرض مداخلته محور ” اقتصاد الإعلام : الوظائف المعلنة والخفية للدعم العمومي والإشهار”، معتبراً أنه لا يمكن تصور ممارسة مهنية إعلامية سليمة في ظل خضوع الصحفي والمؤسسة الصحفية للفاعل الاقتصادي،إن لم يكن على مستوى رأسمال المنشأة الإعلامية فعبر آلية الإشهار،خاصة أنه لا يمكن تصور استمرارية مقاولة إعلامية بدون عقود إشهارية.
الدكتور الشرقاوي تناول أيضا مسألة الدعم العمومي المخصص للقطاع الإعلامي بشتى تصنيفاته، السمعية بصرية والورقية والإلكترونية،متسائلاً عن المعايير المعتمدة فيما يخص توزيع هذا الدعم الذي هو في الأصل من أموال دافعي الضرائب، حيث يجب تبرير أوجه صرفه،خاصة أن هناك جرائد ورقية وإلكترونية تستفيد من هذا الدعم وبأرقام وازنة، ولا تساهم بأي وجه من الأوجه في إثراء المشهد الإعلامي عبر إغناء النقاش العمومي،وكذا السمو بالذوق العام وجعل المواطن في قلب قضاياه المصيرية ومعيشه اليومي.والأمر عينه ينطبق على مؤسسات سمعية بصرية لا تتوفر في موادها الإعلامية الحدود الدنيا من المهنية وجودة المنتوج،يضيف الأستاذ الشرقاوي.
وقد شهدت هذه الندوة طرح مجموعة من الأسئلة خاصة من طرف الطلبة الباحثين في سلكي الماستر والدكتوراه، صبت أغلبها حول ماهية الاستقلالية الإعلامية،هل يتعلق الأمر باستقلالية المؤسسة الصحفية عن الفاعل السياسي ممثلا في الأحزاب أم عن الفاعل الاقتصادي ممثلا في المستشهرين..؟! وهل استطاعت مدونة الصحافة والنشر أن توفر الإطار القانوني والمهني الذي سوف يُحَصن صاحبة الجلالة من منتجي التفاهة،تلك العينة الداخيلة على المشهد الصحافي والتي ينحصر دورها الأساس في تبخيس العمل الصحفي وتسطيح النقاش العمومي.الأساتذة مؤطرو ندوة ” المشهد الإعلامي..وقائع وآفاق”،تفاعلوا بشكل علمي مع هذه الأسئلة منوهين بمستوى الطالبات والطلبة الباحثين في سلكي الماستر و الدكتوراه.