العولمة و الهوية الثقافية
الدكتور خالد الشرقاوي السموني
مفكر مغربي
إن الهوية هي الكيفية التي يعرف الناس بها ذواتهم أو أمتهم، وتتخذ اللغة والثقافة والدين أشكالا لها ، فهي تستطيع أن تكون عامل توحيد وتنمية، كما يمكن أن تتحول إلى عامل تفكيك و تمزيق للنسيج الاجتماعي، الذي تؤسسه عادة اللغة الموحدة و التقاليد و المصير المشترك ، في الوقت الذي يشهد العالم انفتاح الثقافات عن بعضها من خلال الاتصال الثقافي و التواصل الاجتماعي ، وهو ما قد يحدث أحيانا صداما بين الثقافات .
فما يشغل اهتمام النخب الثقافية في الوقت الحاضر هو كيف يمكن التوفيق بين العولمة و الهوية الثقافية ، نتيجة الشعور بمحاولة تنميط سلوكيات البشر وثقافتهم في المجتمعات و إخضاعها لنظام قيم وأنماط سلوك سائدة في المجتمعات الغربية ، مما ساعد على ظهور العصبيات القبلية والطائفية والمذهبية والقومية الضيقة، تحت ذريعة حماية الخصوصيات الثقافية .
وعلى الأساس نطرح التساؤلات التالية : هل ما جاءت به الحداثة الغربية من قيم ثقافية تتلاءم وطبيعة الهوية الثقافية للمجتمعات غير الغربية ؟. وهل التمسك بالخصوصية الثقافية يعتبر ابتعادا ورفضا للعولمة الثقافية؟ . وهل يمكن الحديث عن ثوابت ومتغيرات في القيم في ظل التغيرات الاجتماعية و الثقافية في المجتمع ؟. ثم هل الهوية الثقافية شيء انتهى وتحقق في الماضي، في فترة زمنية معينة،؟ .و هل الهوية الثقافية قابلة للتحول والتطور والتعايش مع “عولمة الثقافة ” ؟
في مقالنا هذا المختصر سوف لن نستفيض في الإجابة على هذه التساؤلات ، فقط سنلقي بعض الأضواء نعتبرها أساسية في كل بحث في هذا المجال الفكري و الفلسفي . ففي البداية لا بد أن نشير إلى أن الهوية الثقافية ، هي مجموعة من السمات والخصائص التي تنفرد بها شخصية مجتمع ما ، وتجعلها متميزة عن غيرها من الهويات الثقافية لمجتمعات أخرى، وتتمثل تلك الخصائص في اللغة والدين والتاريخ والتراث والعادات وغيرها من القيم الثقافية المختلفة (العقائدية والثقافية و الاجتماعية والاقتصادية) ، و التي تشكل في مجموعها صورة متكاملة عن ثقافة هذا المجتمع.
وقد ظهر في العالم ، تياران : تيار يؤيد العولمة و يدافع عنها . و تيار يعارضها و يناهضها .
التيار المؤيد للعولمة
يستند إلى أنها أحدثت نقلة نوعية في كل ميادين المعرفة، وقربت المسافات، واختصرت الزمن، و ساهمت في التلاقح بين الحضارات؛ و تعزيز ثقافة التنوع الإنساني و القيم الثقافية . و من بين رواد هذا التيار نجد الأميركي “همنغواي” ، و الروسي “تشيكوف” ، و الألماني “غونتر غراس” ، و الأيرلندي “برناردشو”.
التيار المعارض للعولمة
فيستند إلى أنها غيرت البنية الأساسية لكل مكونات الحياة على جميع المستويات : السياسية و الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية ، فساهمت في ازدياد معدلات البطالة و في انخفاض الأجور، و اتساع الهوية بين الفقراء والأغنياء، وتقليص دور الدولة في مجال الخدمات كالصحة والتعليم . و من بين رواد هذا التيار نجد النمساوي ـ” هانس بيتر مارتن ” و الألماني “هارالد شومان”.
فكيف يمكن التوفيق بين التيارين المتعارضين ، حتى تكون لدينا نظرة موضوعية عن فكرة العولمة؟
إن ما يهمنا أكثر في هذ الصدد هي العولمة الثقافية . فهناك من اعتبرها أخطر من العولمة الاقتصادية بما تحمله من قيم غربية تريد أن تفرضها كنموذج مثالي على باقي الثقافات العالمية .
لكن انتقاد العولمة الثقافية ، بحجة ما تحمله من قيم بعيدة عن الهوية الثقافية المحلية للمجتمعات ، لا يكون بالأساس عن طريق تأكيد الهوية وترسيخها والتشبث بها كنسق مغلق، لأن ذلك لن يمكن المجتمع أن يساير العصر وما ينتجه من ثقافة وإبداع وفكر و تقدم معرفي بصفة عامة ، بل يبقى مشدودا إلى الفكر الجامد ، الغير قادر على التحرر الثقافي من النسق القيمي للثقافة المحلية أو الخصوصية . وهو ما أدى إلى العودة القوية لثوابت الهوية الثقافية ، نتيجة الشعور بالإحباط من العولمة و ما تحمله من قيم للحداثة ومحاولة نقدها والبحث عن خيارات جديدة في التراث و في الدين.
ثم أن انفتاح الثقافة المحلية على المحيط الخارجي ، ينبغي ، في رأينا ، أن لا يكون مؤشرا على إضفاء صفة القداسة على العولمة الثقافية ، و أن لا يكون معنى عولمة الثقافة هو فرض ثقافة أمة على سائر الأمم، أو ثقافة الأمة القوية الغالبة على الأمم الضعيفة المغلوبة. ذلك أن قدرة العولمة الثقافية في فرض وجودها و استمرارها لن يتحقق مالم تراعي هذه العولمة خصوصية ثقافات المجتمعات ، و مراعاة تاريخ الشعوب و حقوقهم الثقافية .
ومن هذا المنطلق ، فإن إعادة بناء النظرية النقدية للعولمة الثقافية صار ضروريا، لكي تعرف النخب الثقافية و المجتمعات كيف تتفاعل معها في ظل المتغيرات الراهنة و المستقبلية ، وماذا تأخذ منها و ماذا تدع و تترك . فليس كل ثقافة قادمة من الغرب مقدسة. و في هذا الخصوص ، نشير إلى أن الحداثة ،كفكرة غربية، تم تجاوزها ، وظهرت مرحلة ” ما بعد الحداثة ” التي تعيش هي بدورها أزمة ، لعدم قدرتها على الحسم في كثير من الإشكالات المعاصرة للثقافة و الهوية و الدين.