الرائدة في صحافة الموبايل

فتيحة بلعباس تقارب دور الثقافة في تعزيز الوحدة الوطنية بلمتقى الثقافة العربية

في إطار الندوات العلمية التي احتضنها الدورة العاشرة لملتقى الثقافة العربية بمدينة أبي الجعد، المقامة من 30 أكتوبر إلى غاية 3 نونبر الجاري، قدمت الدكتورة فتيحة بلعباس، أستاذة التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، مداخلة ضمن أشغال الندوة العلمية الأولى الموسومة بـ«أبي الجعد، الذاكرة الروحية والتراث الثقافي في خدمة الهوية الوطنية»، تناولت فيها موضوع «التراث الثقافي بين الذاكرة والتنمية، نحو تعزيز الوحدة الوطنية»، مسلطة الضوء على الأبعاد الرمزية والثقافية للموروث، ودوره في تشكيل الهوية الجماعية وصيانة الذاكرة المشتركة وترسيخ قيم الانتماء الوطني.

واختارت الدكتورة فتيحة بلعباس أن تقارب الموضوع من مدخل سيميائي، انطلقت فيه من شعار الملتقى «التراث الثقافي بوابة الهوية ونبض الذاكرة»، معتبرة أن هذا التركيب لا يمثل مجرد صياغة لغوية تختزل موضوع اللقاء، بل يشكل بناء دلالياً مكثفاً يفتح أفقاً للتفكير في علاقة الإنسان بجذوره وتاريخه ومجاله الثقافي، وفي إمكانيات تحويل الموروث من رصيد رمزي تختزنه الذاكرة إلى قوة فاعلة في تحقيق التنمية وتعزيز الوحدة الوطنية.

واستهلت مداخلتها باستحضار صوت شعري من أبناء المنطقة، من خلال قصيدة للشاعر محمد عبد النباوي الواردة في ديوانه «وطني الأخضر»، في التفاتة أرادت منها إعادة الاعتبار إلى المبدع المحلي باعتباره أحد حَمَلة الذاكرة الجماعية، والقادر على التعبير عن علاقة الإنسان بالمكان وتاريخه ووجدان أهله. كما اعتبرت أن الثقافة تقتضي الإنصات إلى أصوات المبدعين، وإشراكهم في كتابة حكاية المكان وصون هويته وإبراز غناه الإنساني والحضاري.

وفي تفكيكها لمفردات شعار الملتقى، توقفت المتدخلة عند ثلاث علامات مركزية: «البوابة» و«الهوية» و«النبض»، مقدمة قراءة لدلالاتها وما تنتجه من علاقات رمزية. فالبوابة، في تصورها، ليست مجرد حد فاصل بين فضاءين، وإنما وسيلة للعبور والانتقال، بما يجعل التراث مدخلاً لفهم الذات والآخر، واستكشاف ما راكمته الأجيال من لغات ورموز وعادات وحكايات وطقوس وأشكال للتعبير.

أما الهوية، فقد قاربتها فتيحة بلعباس باعتبارها نسيجاً من العلامات والرموز والتمثلات التي تمنح الجماعة شعورها بالاستمرار، وتتيح للفرد أن يجد موقعه ضمن التاريخ المشترك، مؤكدة أن الحفاظ عليها لا يعني الارتهان لصورة ثابتة عن الذات، بل القدرة على التجدد دون التفريط في الجذور.

فيما احتلت مفردة «النبض» حيزاً لافتاً في هذه القراءة، إذ اعتبرت بلعباس أن اختيارها، بدل مفردات من قبيل الخزان أو المرجع، يحمل دلالة رمزية تستحضر الحياة والحركة والاستمرارية. فالذاكرة، وفق هذا التصور، ليست مستودعاً للأحداث المنقضية، وإنما طاقة تمنح الماضي حضوراً متجدداً في وجدان الأجيال، وتجعل التراث قادراً على مواكبة تحولات الزمن دون فقدان روحه.

وانتقلت المتدخلة من هذا التفكيك السيميائي إلى استحضار دلالات الوحدة الوطنية، باعتبارها انتماءً حياً لا تختزله الحدود الجغرافية أو الرموز والشعارات، وإنما يتجدد من خلال الذاكرة المشتركة وقيم التآزر والتضامن والإيمان بالمستقبل المشترك. وفي هذا السياق، شددت المتدخلة على أن تعدد اللهجات والتقاليد والتعبيرات الثقافية لا يشكل نقيضاً للوحدة، بل يمثل أحد منابع غناها وثرائها.

كما منحت بلعباس للموضوع بعداً تنموياً، مؤكدة أن الثقافة ليست ترفاً أو زينة تضاف إلى الحياة بعد استكمال شروطها المادية، بل أحد شروط التنمية الإنسانية، بالنظر إلى دورها في تمكين الإنسان من فهم ذاته وموقعه في التاريخ، والمساهمة في بناء مجتمعه من موقع الفاعل لا المتلقي.

وخلصت ذ. بلعباس إلى أن صون التراث لا ينبغي أن يظل محصوراً في حفظ الموروث وتوثيقه، بل يتطلب حماية شروط استمراره في الحياة، وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لاكتشافه والتعبير عنه وإغنائه. فالتراث، كما أكدت بلعباس، ليس فقط ما ورثناه عن الأجيال السابقة، وإنما أيضاً ما نختار الحفاظ عليه، وما ننجح في نقله، وما نضيف إليه من إبداعنا ومسؤوليتنا.

وبذلك، وضعت بلعباس التراث الثقافي في صلب النقاش حول الهوية الوطنية، متجاوزة النظر إليه باعتباره إحالة إلى ماضٍ منقضٍ، نحو اعتباره رصيداً حياً تتقاطع فيه الذاكرة والإبداع والتنمية، وتتأسس من خلاله إمكانيات بناء وحدة وطنية تستوعب التنوع وتحافظ على تعدد روافد الهوية المغربية.

وتُعد الدكتورة فتيحة بلعباس من الكفاءات الأكاديمية المغربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث تشغل صفة أستاذة التعليم العالي، وسبق لها أن تولت إدارة معهد الدراسات الإسبانية البرتغالية بالجامعة ذاتها. وتنصب اهتماماتها البحثية على الأدب الإسباني والإيبيرو-أمريكي، والتصوف المقارن، والترجمة، والتراث الفكري المغربي الأندلسي، فضلاً عن الدراسات الثقافية والنقد الأدبي، ولها إسهامات علمية ومشاركات في عدد من الندوات والملتقيات الأكاديمية الوطنية والدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد