«السواكن».. قصيدة زجلية من قاع الخابية تلقيها نادية الصبار في أمسية شعرية بملتقى الثقافة العربية بخريبكة
ليست كل القصائد التي تستدعي الذاكرة الشعبية تكتفي باستحضار مفرداتها وإيقاعاتها، فبعضها يذهب أبعد من ذلك، ليجعل من التراث فضاءً للتأمل والمساءلة، ومن اللغة العامية المغربية أداة للتعبير عن أسئلة الهوية والانتماء والحرية والإبداع.
في قصيدتها الزجلية «السواكن»، تنسج الشاعرة نادية الصبار عالماً شعرياً يستمد ملامحه من أجواء الحضرة واللمة المغربية، ومن طقوس الضيافة والصينية والبراد، ومن الذاكرة الجماعية التي تختزنها تفاصيل الحياة اليومية. لكنها لا تستحضر هذه العناصر بوصفها مجرد مكونات فولكلورية، وإنما توظفها لتشييد حكاية شعرية تتخذ من الكلمة بطلة لها، ومن الحضور جمهوراً وشريكاً في صناعة المعنى.
منذ مطلع القصيدة، تضعنا الشاعرة أمام مشهد احتفالي يستحضر المكان والمقام والريحان، قبل أن تنفتح الحكاية على حوار متخيل بينها وبين «الحضار»، الذين يتساءلون عن سر هذه الكلمة الغامضة التي تتخذ لنفسها أشكالاً متعددة، وتنتقل من الحنين إلى السخرية، ومن العتاب إلى الحكمة، ومن الرقة إلى الصلابة.
وتبدو «الكليمة» في هذا النص شخصية شعرية مستقلة، تتحدث عن نفسها وتدافع عن وجودها، وتعلن رفضها لأن تكون سلعة قابلة للبيع والشراء. فهي تارة حرة، وتارة حنينة، وتارة صافية، ثم قاسحة؛ لكنها في جميع أحوالها تظل وفية لجوهرها: كلمة لا تستجدي الاعتراف، ولا تستمد مشروعيتها من بطاقة عضوية أو انتماء إلى كتاب أو صحيفة، وإنما من قدرتها على التعبير والتأثير.
ولعل من أبرز مفاتيح قراءة القصيدة ذلك المقطع الذي تستحضر فيه الشاعرة مفارقة الانتماء والاغتراب، من خلال قولها: «نصبغ راسي وما هو مواتي وخا لويت لساني بقيت غريب وبراني»، ثم تستدعي الحكمة الشعبية المكثفة: «قطران بلادي ولا عسل الغاشي». هنا لا يعود الحديث عن الغربة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل يصبح اغتراباً ثقافياً ووجدانياً، وشعوراً بأن الإنسان قد يفقد شيئاً من ملامحه حين يحاول التشبه بغيره، حتى وإن أتقن لغة الآخرين.
وفي مقابل هذا الاغتراب، تستعيد القصيدة دفء المكان المغربي من خلال طقوس الضيافة: أتاي، والصينية، والبراد، واللوز والكركاع، والمسمن والملاوي. إنها تفاصيل تبدو بسيطة، لكنها تختزن فلسفة اجتماعية كاملة، قوامها الكرم والتقاسم والاحتفاء بالضيف. غير أن هذا الدفء لا يستمر طويلاً؛ فالأيام تتغير، واللمة تتفرق، والصينية تطوى، والكؤوس تُرفع، فيتحول المشهد من احتفاء جماعي إلى مرثية ناعمة لزمن مضى…
«مشات الأيام مشات مشات، مشات الكعدة مشات تفرقت الجماعة طرفت الصينية تجلاو الكيسان»… بهذا التكرار الإيقاعي، تنجح الشاعرة في تحويل تفاصيل المشهد إلى صورة شعرية عن انفضاض الجماعة وتبدل الأحوال، وكأنها ترثي زمناً كانت فيه الكلمة تجمع الناس حولها، وكانت فيه المجالس فضاءً للتواصل والتسامح وتبادل المعاني.
وتتجلى براعة النص أيضاً في اشتغاله على المفارقة والتورية والمثل الشعبي، وفي توظيفه لتعبيرات تنتمي إلى الثقافة المغربية الأصيلة، دون أن يفقد خيطه الدلالي. فالشاعرة تنتقل من «الكليمة الحنينة» التي تداوي الجرح، إلى «الكليمة الصافية» التي تعطي ولا تأخذ، ثم إلى «الكليمة القاسحة» التي ترى أن الصراحة، مهما بلغت قسوتها، أكرم من الكذب.
وهنا تبرز إحدى الرسائل العميقة للقصيدة: الكتابة ليست دائماً فعلاً لإرضاء الآخرين، ولا ينبغي للكلمة أن تفقد صدقها حتى تحظى بالقبول. فالإبداع، في جوهره، موقف وحرية ومسؤولية.
أما المقطع الذي يستحضر فيه النص موقف الفقيه من الحضرة، فيمنح القصيدة بعداً آخر، يقوم على تفكيك الأحكام الجاهزة والخلط بين الفن والغواية، وبين التعبير الفني والممارسة التي لا يدرك أصحابها معناها.
فحين يكتشف الفقيه أن ما يشاهده حضرة وفنا وهواية، يتراجع عن حكمه الأول، ويطلب العفو، في مشهد يحمل مسحة ساخرة، لكنه يفتح باباً للتأمل في العلاقة بين الفن والتمثلات الاجتماعية، وبين الأحكام المسبقة والمعرفة والبينة.
ومن الناحية الفنية، تعتمد «السواكن» على الحوار بوصفه محركاً أساسياً للنص، وعلى التكرار والإيقاع الداخلي وتوليد المعنى من المفردة الشعبية. كما تستثمر الشاعرة طاقة الأداء الشفهي، بما تتطلبه من تنويع في النبرات والوقفات والانتقال بين الحكي والإنشاد والمخاطبة المباشرة. ولذلك لا تبدو القصيدة نصاً معداً للقراءة الصامتة فقط، بل عملاً زجلياً يستعيد تقاليد المشافهة، ويستمد جزءاً من قوته من حضوره فوق المنصة ومن تفاعله مع الجمهور.
ولعل هذا ما يفسر التفاعل الذي حظيت به القصيدة خلال الأمسية الشعرية الأخيرة ضمن فعاليات الدورة العاشرة لملتقى الثقافة العربية بمدينة خريبكة، حيث ألقتها الشاعرة أمام جمهور مدينة بني ملال، بحضور شاعرات من بني ملال ومدن مغربية أخرى، في تجربة شكلت فرصة جديدة لعودة نص كتبته منذ سنوات، ولم يسبق لها أن قدمته إلا في مناسبات محدودة.
إن «السواكن» نص يحتفي بالكلمة، لكنه لا يكتفي بالاحتفاء بها؛ إنه يدافع عن استقلاليتها، ويمنحها حق التعدد والتناقض، وحق أن تكون حنينة حيناً وقاسية حيناً آخر، ساخرة حيناً ومتأملة حيناً آخر. وهي، في نهاية المطاف، قصيدة عن حرية الإبداع، وعن الإنسان الذي يظل وفياً لصوته، حتى عندما لا يجد من يفهم لغته أو يستوعب مقاصده.
وتكشف هذه التجربة عن تعدد الحقول الإبداعية التي تشتغل فيها نادية الصبار، فهي شاعرة تكتب القصيدة النثرية والقصيدة الزجلية، كما تخوض تجربة الكتابة في القصة القصيرة والمقالة والبورتريه، إلى جانب مشاريع أدبية أخرى قيد الطبع. ويستند هذا التنوع الإبداعي إلى خلفية أكاديمية عالية في القانون العام والعلوم السياسية، وإلى تجربة مهنية في الحقل الإعلامي والصحفي، أسهمتا في تشكيل رؤيتها للغة وطريقة اشتغالها على المفردة والمعنى.
فمن حسّ الباحثة التي تتقصى الدلالات وتنتبه إلى ما وراء الظاهر، ومن عين الصحفية التي تلتقط التفاصيل وتختبر دقة التعبير، تستمد كتابتها جانباً من رصانتها، سواء في انتقاء المفردات أو في بناء الصورة أو في نسج العلاقة بين الحكاية والموقف. ولعل هذا التداخل بين التكوين الأكاديمي والممارسة الإعلامية والحس الإبداعي هو ما يمنح نصوصها قدرة على الجمع بين عفوية التعبير الشعبي ووعي الكتابة، وبين خفة الإيقاع وعمق الدلالة، دون أن تفقد لغتها روحها الإنسانية أو صلتها بالذاكرة الجماعية.
ولم يكن اختيار الشاعرة نادية الصبار تقديم قصيدتها «السواكن» خلال الأمسية الختامية للملتقى اختياراً عفوياً، بل جاء محمّلاً بدلالات تتصل بسياق المناسبة وموضوعها. فقد تزامن الملتقى مع الاحتفاء بعيد الوحدة، وانعقدت دورته العاشرة تحت شعار يحتفي بالتراث الثقافي، كما شهد صباح اليوم نفسه، يوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، ندوة علمية تناولت قضايا التراث وأسئلة صونه واستحضاره في الذاكرة الجماعية.
وأمام هذا السياق، وجدت الشاعرة في «السواكن» النص الأقرب إلى روح المناسبة، والأقدر على مخاطبة وجدان الحاضرين؛ فهي قصيدة تستعيد تفاصيل من التراث المغربي المادي واللامادي، وتستحضر طقوس الضيافة والحضرة واللمة، وتحتفي بالكلمة باعتبارها حاملة للذاكرة والهوية والانتماء. وهكذا تحول إلقاء القصيدة إلى مساهمة إبداعية في النقاش الذي فتحه الملتقى حول التراث، ولكن بلغة الشعر، وبأدوات الزجل، وباستعادة حية لذاكرة المكان والإنسان.
وهذا نص القصيدة الزجلية التي كتبتها الشاعرة والزجالة نادية الصبار بتاريخ 30 نونبر 2016 وألقتها خلال فعاليات ملتقى الثقافة العربية بمدينة خريبكة
السواكن
لي جابني وجمعني بالريحان
زين لكعدة، زين المقام
جابني الساكن
واااا هي الساكن
مرة ساكن مرة بالجر
من يفتح ربي نهز دوايتي
ونضم القلم ويجي النظم
قالو حضاري: سرك غابر وبراني
وحجايجه ما تفك
وعلاش تحيرو
سري واضح ما يحتاج لتعبير
حلاوته في اوصافه
طير يهجر ويتيه
وسربة الليل للمرقد ترده
ساكني غيواني
للحرف والجر يديني
ناري ميمتي شديني
بركة بركة أيا حضار بركة
ولا نزيد شي بركة
البركة خصها الفتوح
عندك تولي ذبيحة
ثور وبحروفو
ولد مو وخو خوتو
سنانه حليب وخا بدين
واخد العلف المتين
كسيبة حرة وديال البلاد
الطجة.. خلاها وزاد
تبع البركي والرومي
لا سر لا ملح لا مجي بكري
وريقات وباسبور
نشبه ناس ما هم ناسي
نصبغ راسي وما هو مواتي
وخا لويت لساني
بقيت غريب وبراني
لو(ن) رجعت بي ليام
ولي قالو ناس زمان
كن بقيت بعزي
في ارض بوي وجدادي
قطران بلادي
ولا عسل الغاشي
نشبع كلام ومعاني
علصينية يحلا الحديث
براد وكيسان حياتي
اتاي صندوق
قالب سكر ماشي مقرط
وفي حضرة الضيف
عند الصينية والبراد
بالمسن يتقرط
يحطو لوز يحطو كركاع
مسمن وملاوي وليدام ينادي
يجيبو الطاس يجيبو البقراج
هذه عادتنا للضيف
ولمول الدار
كنت فبلادي معزور
وليت فحال الخروف المدزوز
لساني مع التلاوي
فرط في الكلام المرصوص
مشات الايام مشات
مشات الكعدة مشات
تفرقت الجماعة
طرفت الصينية
تجلاو الكيسان
واهيا الايام واهيا الايام
حارو حضاري
من سمعو قصدي وضريب المعاني
وقالو تاني شكون انت ثاني
جاوبت حضاري لي لغاو كلامي
أنا كليمة حرة ما تباع ما تشرى
ياربي العفو يا ربي العفو
فحال الحضرة فحال الخضرة
كلشي بيع وشرا
سعدات لي علكلمة مات
والهمة منو ما مشات
قالو حضاري الكليمة حرة هادي
وليني ما بانو معاني
شكون انت ثاني
جاوبت الحضار
في سوق الحروف ماني معروف
ماني مع كتاب خديت عضوية
ولا في صحف قصتي مروية
انا مجدوب انا مجدوب
نتحير ويجي الكلام منظوم
كية كية لداك المعدوم
قالو حضاري فسر الكلام
لي مساوي وما هو متاوي
قلت لي لغاو كلامي
وذاقو المعاني
انا كليمة حنينة
نتحط علجرح يبرا
حادقة حافضة صوابي
شبعانة قوافي
والقديم منه خوابي
اش نزيد ثاني
انا كليمة صافية ما عندها زهر
نحرث ما نحصد
نحلب ما نمخض
وإذا مخضت الله يحفظ
ندير يدي في الشكوة
الشكوى لله
ما يجي لبن ما تجي زبدة
نعطي ما ناخذ
نشافي العليل نبري المريض
هذا جهدي والزهر ما عندي
حضاري شافوا تا شافوا
هزوا عينيهم وشيروا بيديهم
وا الخيل وا المكاحل
باركة من البارود
راه بارد وخاوي
هاي هاي هاي.. بركة اوا الله بركة
والله تانزيد في المعاني
سمعوني أيا حضار
راحنا فحال العطار
والعطار فيه وفيه
اللي فاح جواه
جاد وزاد وراح
ولي ناقصه الجود
لا روح لا ريحان
ما جاد ما زاد ما راح
قالو حضاري
آش هاد المعاني تاني
جاوبت لي لغاو كلامي
وذاقو المعاني
انا كليمة قاسحة
والقاسح خير من كذاب
وان اجاد
ولو(ن ) نكون
في زاوية
ما ندهش ما نخاف
من ناسها ولي جا زارها
وليني داك الغاشي داك الراشي
شاف الزين والبها
ضربتو عل الشعا
كان يدور ويلعن
ها الشعراء ها الغاوون
ها السخط ها الرضا
مشات ايام وجات ايام
فواحد النهار
نعاودها ليكم
ما عرفتها علم ولا خرافة
الفقيه قالو دايز
شاف الكعدة هزو المقام
جاتو الغاية حضر العناية
طلب العفو وبكاه الحال
هز يديه للعلام
تلعثم اللسان، تزير له اللجام
وقال حتى قال
يا ربي هذه حضرة
وهادو ناس خيار
غفر لي ذنبي
نمشي نقرا القرآن
هذا فن هذه هواية
ماشي غواية
وحيث أنا
كليمة حنينة
عطفت على ذاك الحال
وقلت له نجيك ونجيك
عل الخيل مسرجة
نحوم عل العرصة
ونجول بالدالية ونجيك وافية
يا زين الحضرة يا زين الكعدة
يا زين المقام
الصلاة والسلام
على ناس الحرف
والكلام
كلشي كلام في كلام
خرايف ولا حجايج
خير وسلام خير وسلام
والسلام غاية نختمو بيه
الكعدة والكلام
فهاد المجمع وهاد المقام