هيئة تحرير دنا بريس
يعرف فن الدراغ (Drag) بأنه عرض استعراضي يقوم على ارتداء ملابس الجنس الآخر والمبالغة في إبراز ملامحه الجسدية والجمالية، إلا أنه تحول، خلال العقود الأخيرة، إلى ظاهرة ثقافية وفنية تثير نقاشاً واسعاً حول حدود الأداء المسرحي، ومفاهيم الأنوثة والذكورة، والهوية الجندرية، وعلاقة الفن بالتحولات الاجتماعية.
وبين من ينظر إليه باعتباره شكلاً من أشكال التعبير الفني القائم على المحاكاة والسخرية والمبالغة، ومن يربطه بالثقافة المثلية ونضالات مجتمع الميم، يظل السؤال حول أصول هذا الفن ومسارات تطوره وعلاقته بالتحول الجنسي والهوية الجندرية مدخلاً ضرورياً لفهم ظاهرة تجاوزت فضاء المسارح والنوادي الليلية لتجد لنفسها مكاناً في المهرجانات والبرامج التلفزيونية والمنصات الرقمية.
وتعود الجذور البعيدة للأداء القائم على تقمص أدوار الجنس الآخر إلى تقاليد مسرحية قديمة، حيث كان الرجال يؤدون الأدوار النسائية في عدد من الحضارات، من بينها اليونانية والرومانية، كما استمر هذا التقليد في المسرح الأوروبي، خصوصاً خلال العصر الإليزابيثي، حين كان ظهور النساء على خشبة المسرح الإنجليزية ممنوعاً، ما جعل الرجال يتولون أداء الشخصيات النسائية في أعمال شكسبير وغيره من المسرحيين.
غير أن هذه الممارسات لم تكن في بدايتها مرتبطة بالضرورة بالميول الجنسية أو الهوية الجندرية للممثلين، بل كانت جزءاً من الأعراف المسرحية وشروط الإنتاج الفني في تلك الفترات.
ومع تطور المسرح الاستعراضي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأت عروض تقمص الشخصيات النسائية تأخذ أشكالاً أكثر استقلالية، خصوصاً في المسرح الهزلي وعروض الفودفيل، حيث أصبح تقليد النساء مجالاً للاستعراض والكوميديا والمبالغة في الحركة والملابس والمكياج.
أما مصطلح Drag، فتشير إحدى النظريات الشائعة بشأنه إلى ارتباطه بجرّ الأثواب الطويلة على أرضية المسرح، وإن كانت أصول التسمية لا تزال موضع نقاش تاريخي.
وبحلول القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت هذه الممارسات تتداخل بصورة أوضح مع ثقافات فرعية مرتبطة بالمثليين، خصوصاً في المدن الأمريكية والأوروبية، حيث تحولت بعض الحانات والنوادي والملتقيات السرية إلى فضاءات لاحتضان هذه العروض.
إلا أنه لا يمكن فهم الصورة المعاصرة لفن الدراغ دون التوقف عند علاقته التاريخية بمجتمع المثليين والعابرين جنسياً، ففي الوقت الذي كان فيه التعبير عن الميول المثلية يعرض أصحابه للملاحقة والتمييز الاجتماعي والقانوني في عدد من المجتمعات الغربية، شكلت عروض الدراغ فضاءً للتعبير واللقاء وبناء هوية ثقافية مشتركة.
ومع مرور الوقت، لم تعد ملكات الدراغ مجرد فنانات أو فنانين يقلدون المظهر الأنثوي، بل تحول الأداء إلى وسيلة لمساءلة التصورات التقليدية حول الرجولة والأنوثة، والسخرية من الصور النمطية التي يفرضها المجتمع على النساء والرجال.
كما شكلت انتفاضة ستونوول في نيويورك سنة 1969 محطة بارزة في تاريخ نضالات مجتمع الميم، وأسهمت في تعزيز حضور ثقافته وتعبيراته الفنية في المجال العام.
وفي هذا السياق، اكتسب فن الدراغ دلالات تتجاوز الترفيه، ليصبح لدى عدد من ممارسيه شكلاً من أشكال الاحتجاج الثقافي والسياسي، وتحدياً للتمييز القائم على الميول الجنسية والهوية الجندرية.
وهنا تبرز واحدة من أهم النقاط التي تستدعي التمييز المفاهيمي، فممارسة فن الدراغ لا تعني بالضرورة أن الشخص مثلي الجنس، كما أنها لا تعني أنه عابر جنسياً أو يرغب في تغيير جنسه. ذلك أن الدراغ، في جوهره، أداء فني يستند إلى تقمص صورة جندرية معينة، من خلال الأزياء والمكياج والحركة والصوت والإيماءات، وقد يتخذ هذا الأداء طابعاً كوميدياً أو استعراضياً أو نقدياً.
وهنا بات من الضروري التمييز بين ثلاثة مفاهيم: أولها الميول الجنسية، التي تتعلق بنوع الأشخاص الذين ينجذب إليهم الفرد عاطفياً أو جنسياً. وثانيها الهوية الجندرية، التي تتعلق بإحساس الشخص الداخلي بهويته، باعتباره رجلاً أو امرأة أو بهوية أخرى. وأما ثالثها فهو التعبير الجندري، أي الطريقة التي يقدم بها الشخص مظهره الخارجي من خلال الملابس وتسريحة الشعر والمكياج والسلوك.
وفن الدراغ ينتمي أساساً إلى المجال الأخير، أي التعبير والأداء الجندري، وإن كان يتقاطع في ممارساته وسياقاته الثقافية مع المجالين الآخرين. فقد يكون فنان الدراغ رجلاً مغايراً جنسياً، أو مثلياً، أو امرأة عابرة جنسياً، أو شخصاً لا يحصر هويته الجندرية في التصنيفات التقليدية. كما توجد فنانات يقدمن عروضاً نسائية مبالغاً فيها، وهو ما يعرف أحياناً بمفهوم Bio Queen.
وفي المقابل، ظهر ما يعرف بـDrag King، وهو أداء تقوم فيه النساء أو أشخاص آخرون بتقمص صورة ذكورية مبالغ فيها، من خلال الملابس والهيئة والحركة والصوت. وعليه، فإن الخلط بين فن الدراغ والتحول الجنسي ينطوي على مغالطة مفاهيمية؛ فالتحول الجنسي أو العبور الجندري يتعلق بمسار شخصي وهوياتي قد يتضمن تغييرات اجتماعية أو طبية، بينما يظل الدراغ أداءً فنياً لا يستلزم تغيير الهوية الجندرية للممارس.
إلا أن ما يثير الانتباه هو ما شهده فن الدراغ خلال العقود الأخيرة من انتقال لافت من الفضاءات البديلة والنوادي الليلية إلى الثقافة الجماهيرية، خصوصاً مع انتشار البرامج التلفزيونية والمسابقات الفنية، ومن أبرزها برنامج RuPaul’s Drag Race، الذي ساهم في تحويل هذا الفن إلى صناعة ترفيهية عالمية، ومنح عدداً من ممارسيه شهرة واسعة.
ولم يعد الأمر مقتصراً على تقليد الأنوثة، بل أصبح العرض يعتمد على تصميم الأزياء، وفنون التجميل، والرقص، والغناء، والكوميديا، والأداء المسرحي، بما يجعل منه تركيبة فنية متعددة التخصصات.
كما أصبح الدراغ موضوعاً للنقاش الأكاديمي في دراسات الجندر والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية، خصوصاً مع أطروحات الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر حول الأداء الجندري، التي ساهمت في تطوير قراءة نقدية للعلاقة بين الجسد والهوية والتعبير الاجتماعي.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يكتسب فن الدراغ أبعاداً أكثر تعقيداً في السياق العربي، بالنظر إلى الخصوصيات الثقافية والدينية والاجتماعية والقانونية التي تحكم قضايا الجندر والميول الجنسية في عدد من البلدان. لذلك وجد هذا الفن مساحات للتعبير أساساً في أوساط المهجر، وعبر منصات ومهرجانات مستقلة، من بينها مهرجان قديرة للدراغ، الذي يقدم نفسه باعتباره فضاء للاحتفاء بموسيقى البوب العربية وفنون الدراغ، ومواجهة الصور النمطية المرتبطة بالهوية والتعبير.
ولا يقتصر حضور هذا الفن في السياق العربي على تقليد الأزياء الغربية أو استنساخ نماذج فنية أجنبية، بل يحاول بعض ممارسيه توظيف عناصر من الثقافة الشعبية العربية، والموسيقى والرقص والأزياء المحلية، لإنتاج تعبيرات فنية تجمع بين المرجعيات الثقافية والطرح المرتبط بالهوية الجندرية.
ومع ذلك، فإن حضوره يظل محاطاً بنقاشات حادة، بين من يعتبره شكلاً من أشكال الحرية الفنية والتعبير عن الذات، ومن يرى فيه اصطداماً مع المنظومة القيمية والاجتماعية السائدة.
ربما تكمن أهمية الدراغ في كونه يضع الفن أمام سؤال يتجاوز حدود الترفيه: إلى أي مدى يستطيع الأداء المسرحي أن يعيد مساءلة الصور التي اعتاد المجتمع التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة؟
فالمبالغة في تقمص الأنوثة أو الذكورة لا تتوقف عند حدود تغيير المظهر، بل قد تتحول إلى محاكاة ساخرة للمعايير الاجتماعية التي تحدد كيف ينبغي للرجل أن يبدو ويتصرف، وكيف ينبغي للمرأة أن تقدم نفسها.
ومن هنا، فإن قراءة هذه الظاهرة تستوجب الفصل بين طبيعتها الفنية وبين الخلفيات الاجتماعية والسياسية التي ارتبطت بها، دون اختزالها في المثلية الجنسية، أو اعتبار كل ممارسيها من العابرين جنسياً.
إذ انتقل الدراغ من تقليد الأدوار النسائية على خشبة المسرح إلى فضاء فني وثقافي متشابك مع قضايا الهوية والحرية والاختلاف. وبين جذوره المسرحية وارتباطه التاريخي بثقافة مجتمع الميم، يظل هذا الفن نموذجاً واضحاً لكيفية تحول الممارسة الفنية إلى خطاب اجتماعي يثير أسئلة تتجاوز الخشبة والجمهور.
ملاحظة : الصورة من وكيبيديا