الرائدة في صحافة الموبايل

نادية الصبار تكتب: “شارل سندرس بيرس والثالوث السيميائي”

توطئة

تفتح فلسفة السيميائية، منذ دو سوسير، نافذة لفهم العلاقة العميقة بين الإنسان واللغة، مسلطة الضوء على سؤال مركزي: هل العلامة شيء يُرى، أم علاقة تُدرك؟ فدو سوسير، عبر مشروعه الطموح لإعادة ترتيب علاقة الإنسان باللغة، طرح الثنائية الأساسية التي أرست أسس الفكر السيميائي: الدال، أي الصوت أو الصورة السمعية، والمدلول، أي الفكرة أو التصور الذهني المرتبط بالدال.

لكن هذه الثنائية، رغم وضوحها الظاهري، لم تكن سوى مدخل إلى أفق أوسع، فدو سوسير اعتبر أن العلامة لا تحمل معنى في ذاتها، بل عبر الفروق داخل النسق اللغوي، ما يجعل القيمة، وليس الماهية، جوهر التفكير السوسيري. ومع ذلك، بقيت رؤيته للعلامة ثنائية ومستقرة نسبيًا، وهو ما أثار السؤال: هل يمكن للعلامة أن تظل ثنائية في عالم متغير، مليء بالاحتمالات والتحولات؟

في هذا السياق، يقف تشارلز ساندرز بيرس ليعيد تعريف العلامة على شكل ثالوث: التمثيل (Representamen)، الموضوع (Object)، والتأويل (Interpretant). هنا لم تعد العلامة مجرد عنصر ثابت ضمن نسق معين، بل عملية حية تتفاعل مع العقل والمفسر، وتنتج معنى جديدًا في كل قراءة.

ولد بيرس في 10 سبتمبر 1839 في هاردفورد، كونيتيكت، في أسرة علمية ومثقفة، وتلقى تعليمًا مبكرًا في الفلسفة والرياضيات، وهو ما وفر له أساسًا متينًا للبحث في المنطق والعلوم. أكمل دراساته في جامعة هارفارد، ثم واصل الاطلاع على الفلسفة الأوروبية والعلوم الحديثة في برلين وباريس.

وتميز بيرس بقدرة متعددة التخصصات بين العلوم الطبيعية والمنطق والفلسفة، وعمل في مجالات التدريس والبحث العلمي، تاركًا إرثًا غنيًا بالرغم من صعوبات مالية وشخصية عاشها طوال حياته، وتوفي في 19 أبريل 1914.

1_ الثالوث السيميائي: من العلامة إلى إنتاج المعنى

يُقال إن كل شيء في العالم علامة، وأن العالم نفسه نصٌّ مفتوح للتأويل. هذا ما أراد تشارلز ساندرز بيرس أن يثبته في فلسفته حول السيميوطيقا، حيث يرى أن العلامة ليست مجرد إشارة بسيطة بل كيان حيّ يتفاعل مع الوعي البشري، ويمتد أثره في العقل والثقافة والفكر. إن العلامة، بحسب بيرس، لا تعمل بمعزل عن عقل المفسر، فهي تتطلب من الإنسان أن يقرأها، أن يستوعبها، وأن يفسّرها بما يربطها بموضوعها بطريقة دقيقة وعميقة.

ولا تقوم العملية السيميائية عند بيرس على عنصر واحد معزول، بل على علاقة ديناميكية ثلاثية تُعرف بالثالوث السيميائي، كما صاغها الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس. ويقوم هذا الثالوث على ثلاثة مكونات مترابطة هي: العلامة، الموضوع، والمفسّر. ولا يتحقق المعنى إلا من خلال تفاعل هذه العناصر الثلاثة داخل سياق تواصلي محدد.

أ- العلامة (Sign)
العلامة هي كل ما يقوم مقام شيء آخر لدى شخص ما. قد تكون كلمة، صورة، صوتًا، إشارة، لونًا، رمزًا، أو حتى صمتًا دالًا. في الخطاب الإعلامي، لا تُعد العلامة مجرد حامل محايد للمعنى، بل هي أداة اختزال وتمثيل، تُنتقى بعناية لتوجيه إدراك المتلقي. فالصورة الصحفية، على سبيل المثال، ليست مجرد نقل للواقع، بل بناء دلالي مشحون بالاختيار والتأطير والزوايا والسياق.
العلامة، بهذا المعنى، لا تملك معناها بذاتها، بل تكتسب قيمتها من كونها تُحيل إلى شيء آخر وتدفع المتلقي إلى تفسيرها.


الموضوع (Object)
الموضوع هو الشيء أو الفكرة أو الحدث الذي تشير إليه العلامة. قد يكون هذا الموضوع واقعيًا ملموسًا، وقد يكون مجردًا أو ذهنيًا. لكن المهم هنا أن الموضوع لا يصل إلى المتلقي كما هو، بل كما تمّ تمثيله عبر العلامة.
في الإعلام، نادرًا ما نواجه “الموضوع الخالص”، بل نواجه دائمًا تمثيلًا للموضوع: حدث سياسي، صورة أزمة إنسانية، تصريح، أو رمز وطني. وهنا تكمن خطورة وقوة السيميولوجيا، إذ إن العلاقة بين العلامة والموضوع ليست علاقة تطابق، بل علاقة بناء وانتقاء، قد تُبرز جانبًا وتُخفي آخر.


المفسّر (Interpretant)
المفسّر هو الأثر الذهني أو الفهم الذي تتولّد عنه العلامة في ذهن المتلقي. وهو ليس الشخص نفسه، بل النتيجة التأويلية التي تنشأ عن تفاعل العلامة مع الخلفية الثقافية والمعرفية والنفسية للمتلقي.
فالصورة ذاتها قد تُنتج تفسيرات مختلفة باختلاف الجمهور والسياق والزمن. وما يُعد رسالة واضحة لدى فئة معينة، قد يُساء فهمه أو يُعاد تأويله لدى فئة أخرى. ومن هنا، لا يكون المعنى ثابتًا أو نهائيًا، بل قابلًا للتعدد والتحول.

فما يميّز الثالوث السيميائي إذا؛ هو أنه يُخرج المعنى من كونه شيئًا جاهزًا، ويضعه في إطار عملية مستمرة. فالعلاقة بين العلامة والموضوع لا تكتمل إلا بالمفسّر، وهذا المفسّر قد يتحول بدوره إلى علامة جديدة تُنتج تفسيرًا آخر، في سلسلة لا متناهية من الدلالات.
لهذا، لا يمكن الحديث عن “معنى واحد صحيح” في الخطاب الإعلامي، بل عن شبكة معانٍ تتشكل حسب السياقات والمرجعيات.

2_ العلامة في التصور البيرسي: الأيقونة، المؤشر والرمز

من اللافت أن بيرس لم يكتفِ بتعريف العلامة بشكل تقليدي، بل أراد أن يبرز الأثر الديناميكي للعلامة في العقل. فالعلامة لا تُستهلك بمجرد إدراكها، بل تظل تتفاعل وتتطور، كلما أُعيد تفسيرها أو رُبطت بعلامات أخرى. وهكذا، يصبح فهم العلامة عملية لانهائية، رحلة في أبعاد الفكر والدلالة لا تتوقف عند حد.

ولعل ما يميز فلسفة بيرس عن غيره من السيميائيين هو تأكيده على مركزية التأويل. فالدلالة لا تنشأ من العلامة وحدها، ولا من موضوعها فحسب، بل من التفاعل بين العلامة وموضوعها وعقل المفسر. إنها عملية مشتركة بين الواقع والوعي، بين الشيء المدلول والفكرة التي ترتبط به.

وقد قسم بيرس العلامات إلى ثلاثة أنواع أساسية: الأيقونات، المؤشرات، والرموز. الأيقونة تشبه الشيء المدلول، كاللوحة التي تصور منظرًا طبيعيًا. المؤشر يدل بطريقة مباشرة على شيء ما، مثل الدخان الذي يشير إلى النار. أما الرمز، فهو الأكثر تعقيدًا، فهو يعتمد على اتفاق اجتماعي أو عرف ثقافي، كاللغة أو الإشارات المرورية. كل نوع من هذه العلامات يفتح آفاقًا مختلفة لفهم العلاقة بين الدلالة والتأويل.

لكن بيرس لم يتوقف عند هذا التصنيف البسيط، بل وسّعه ليشمل فئات فرعية أكثر تعقيدًا، بحيث يعكس تنوع العلامات واختلاف تأثيرها في العقل البشري. فالموضوع قد يكون ملموسًا أو مجردًا، والرمز قد يكون محليًا أو عالميًا، ما يجعل السيميوطيقا عنده أداة مرنة لاستكشاف كل مستويات الدلالة.

هذا ويعتبر تصنيف بيرس للعلامة حجر الزاوية في فهم السيميوطيقا الحديثة. فهو لم يكتفِ بتحديد العلامة كوسيلة للدلالة، بل أبدع في تفكيكها إلى ثلاث مجموعات رئيسية، كل واحدة لها طبيعتها وطريقة عملها في التواصل والإدراك البشري.

الأيقونات (Icons):

إنها العلامات التي تقوم على التشابه بين العلامة وموضوعها. هذه العلاقة المباشرة تجعل من السهل على المتلقي التعرف على المقصود دون الحاجة إلى اتفاقيات مسبقة أو معرفة سابقة. من الأمثلة البارزة: الصور الفوتوغرافية، الرسوم البيانية، الخرائط، وحتى بعض الإشارات التعبيرية التي تحاكي الواقع بشكل واضح.

وما يميز الأيقونة عند بيرس هو القدرة على نقل المعنى عبر الانطباع الحسي المباشر. فحتى من لم يمتلك معرفة ثقافية محددة، يمكنه فهم الرسالة من خلال الشبه والتماثل. بهذا تصبح الأيقونات أداة قوية للفهم البصري والتجريدي على حد سواء، فهي تربط الإدراك بالتمثيل دون المرور بالتفسير المجرد أو الاتفاق الاجتماعي.

المؤشرات (Indexes):

تعتمد المؤشرات على العلاقة السببية أو الواقعية بين العلامة وموضوعها. بمعنى آخر، العلامة المؤشرة تعكس وجود شيء آخر بطريقة ملموسة. مثال ذلك: الدخان مؤشر على النار، أو آثار الأقدام مؤشر على مرور شخص في مكان معين. الساعة تشير إلى مرور الوقت، وأصوات الرعد تشير إلى اقتراب العاصفة.

الفارق الجوهري بين المؤشرات والأيقونات هو أن العلاقة هنا ليست قائمة على التشابه، بل على العلاقة الطبيعية أو السببية. المؤشر يجعل الدلالة ممكنة عبر الربط بين السبب والنتيجة، بين الظاهرة وما تشير إليه، ما يمنحها بعدًا عمليًا وواقعيًا في حياة البشر اليومية.

الرموز (Symbols):

وتمثل الرموز العلامة الأكثر تجريدًا وتعقيدًا، إذ تقوم على اتفاق اجتماعي أو تقليد ثقافي. الكلمات، إشارات المرور، الأعلام الوطنية، وحتى الشعارات التجارية، كلها رموز لا علاقة لها بشكل مباشر بالموضوع الذي تمثله. معناها يتحدد عبر القواعد المشتركة والثقافة المتفق عليها.

هنا، لا يعتمد فهم العلامة على التشابه أو السببية، بل على الذاكرة الثقافية والتفسير الاجتماعي. الرمز يحتاج إلى تعليم أو خبرة مشتركة، فهو يُقرأ ويُفسّر ضمن السياق الاجتماعي الذي ينتمي إليه المتلقي. وبذلك، يصبح الرمز وسيلة لتعبير المعاني المجردة والأفكار، ولربط الأفراد بمفاهيم ومعايير لا يمكن تمثيلها حسياً بشكل مباشر.

3_ الأبعاد العملية للثالوث السيميائي:

تصنيف بيرس لم يكن مجرد تصنيف نظري، بل أداة عملية لفهم كيفية انتقال المعنى بين البشر. الأيقونات تخاطب الإدراك المباشر، المؤشرات تربط الواقع بالمعنى، والرموز تنقل المفاهيم والثقافات. معًا، تشكل هذه الثلاثية شبكة متكاملة تفسر الدلالة الإنسانية في كل مستوياتها، من أبسط الظواهر إلى أكثر المفاهيم تجريدًا.

إضافة إلى ذلك، يسمح هذا التصنيف بفهم دينامية العلامة: فالعلامة ليست ثابتة، بل يمكنها أن تتحول من أيقونة إلى مؤشر، أو من مؤشر إلى رمز، وفق السياق وطريقة استخدام المتلقي لها. هذا يجعل السيميوطيقا عند بيرس علمًا حيًا، قادرًا على تفسير اللغة والفكر والثقافة والتواصل البشري عبر العصور.

إن فهم بيرس للعلامة لا يقتصر على المنطق أو الفلسفة، بل يمتد إلى العلوم والرياضيات والفنون. فالرمز الرياضي، مثلًا، ليس مجرد علامة على رقم أو مفهوم، بل هو كيان يحمل معنى متكاملًا داخل نظام منطقي، يتفاعل مع الفكر ويولد معرفة جديدة. واللوحة الفنية ليست مجرد شكل أو لون، بل علامة تحمل تجربة وجدانية تتجاوز الحواس إلى إدراك أعمق.

من هنا يمكن القول إن فلسفة العلامة عند بيرس تتخطى حدود اللغة، فهي تتعامل مع كل ما يُخاطب العقل أو الروح أو الحس. العلامة في هذا الإطار هي جسر بين الواقع والتفسير، بين الشيء وما يمثله في العقل البشري، وبين الحدث وما يثيره من رموز وتأويلات.

وعلى الرغم من تعقيد أفكاره، إلا أن بيرس كان دائمًا واضحًا في التركيز على العملية الديناميكية للمعنى. فالمعنى لا يُمنح، بل يُصنع من خلال التفاعل بين العلامة والمفسر. كل تفسير جديد للعلامة يولد معنىً جديدًا، وكل معنى جديد يفتح أفقًا لتفسير آخر، ما يجعل السيميوطيقا حركة مستمرة، لا تعرف الجمود أو النهاية.

ولا يمكن تجاهل أن بيرس ربط هذه النظرية بالبراجماتية، مؤكدًا أن العلامة تصبح قيمة حين تثمر نتائج في الفعل والتفكير. فالدلالة ليست مجرد فكرة جامدة، بل أداة لفهم العالم، للتواصل، ولخلق معرفة متجددة.

إن بيرس يرى أن كل تجربة معرفية هي في الأصل قراءة للعلامة وتأويل لها. ومن هنا، فإن كل فهم للواقع، وكل عملية تفكير، هي سيميوطيقا في جوهرها، رحلة لاكتشاف المعنى المخفي في كل شيء حولنا.

فلذلك يمكن القول؛ أن فلسفة بيرس تحمل رسالة عميقة لكل من يسعى لفهم أصل الدلالة وطريقة تشكّلها. فهي تبيّن أن العالم مليء بالرموز والعلامات التي تحتاج منا التريث، والملاحظة، والتأويل المستمر. إن فهم هذه العلامات هو مفتاح لقراءة الواقع بشكل أعمق، لفهم الفعل الإنساني، ولرؤية الروابط الخفية بين الأشياء والأفكار.

وإذا أردنا تبسيط الأمر، يمكن القول إن العلامة عند بيرس هي نقطة التقاء بين الشيء والوعي، بين ما هو خارجي وداخلي، بين الواقع الملموس والتفسير العقلي، فتصبح كل لحظة إدراك تجربة سيميائية، وكل تفسير علامة على فهم أوسع للوجود.

وفي نهاية المطاف، السيميوطيقا عند بيرس ليست مجرد دراسة للعلامة، بل فلسفة حياة. فهي تفتح المجال للتأمل في كل ما يحيط بنا، وتجعلنا ندرك أن العالم كله مكتوب بعلامات، وأن كل قراءة لكل شيء هي بداية رحلة جديدة نحو المعنى والمعرفة.

4_ العلامة كمفتاح لفهم الأخبار

يمكن اعتبار فلسفة بيرس حول العلامة والسيميوطيقا مرجعًا أساسيًا لفهم الصحافة ودورها في المجتمع. فالخبر الصحافي ليس مجرد نص مكتوب أو صوت يُنقل، بل علامة تتفاعل مع عقل القارئ أو المشاهد. هنا يظهر دور المفسر؛ أي القارئ أو المتابع، كشريك في صناعة المعنى. فالمعلومة لا تكتمل إلا عندما يُقرأ الخبر، يُفسّر، ويُربط بسياق معرفي أو ثقافي معين.

في الصحافة، الأيقونات مثل الصور أو الفيديوهات تنقل انطباعات مباشرة، فتثير مشاعر أو وعيا بصريا لدى المتلقي دون الحاجة إلى شرح مطوّل. المؤشرات، مثل الإحصائيات أو الأحداث الواقعية، توجه الفهم عبر ربط الظاهرة بنتيجتها، مثل عدد المصابين في حادث أو نتائج الانتخابات، مما يمنح الخبر مصداقية وقيمة عملية. أما الرموز، مثل الشعارات الوطنية أو رموز الاحتجاج، فهي تعكس اتفاقًا اجتماعيًا وثقافيًا، وتخلق لدى الجمهور إحساسًا بالانتماء أو التفاعل مع الحدث.

بالتالي، الصحافي وفق بيرس ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل صانع للعلامة، يختار الصور، الكلمات، والرموز التي ستتفاعل مع الجمهور وتنتج معنى جديدًا. وفهم الجمهور لهذه العلامات يعتمد على خلفيته الثقافية، معرفته المسبقة، وسياق القراءات الإعلامية المختلفة.

وعليه، تصبح السيميوطيقا أداة قوية لتحليل الصحافة: كل مقال، تقرير، أو برنامج خبري هو نص مفتوح للتأويل، حيث العلامة لا تنتهي عند النشر، بل تتفاعل داخل عقل المفسر، وتنتج دلالات متجددة عبر الزمن والجمهور والسياق الثقافي.


يتبع

المصادر: جملة من المقالات والكتب والمنشورات وخبرة في الميدان.

نادية الصبار
كاتبة صحافية
مديرة موقع danapress.ma
أستاذة مكونة بمعهد epag

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد