صاحب التاج الذي لم نبايعه
عبد الرحيم الفارسي، صحافي بسكاي نيوز عربية

علمنا كورونا أن الأماكن مهما كانت جذابة، فإن أهميتها من أهمية من يرتادونها.
أقف أمام مطعم اشتهر بأطباقه الشهية، كراسيه وطاولاته مغطاة بستار من المطاط تراكم الغبار عليه. ذهب الألق وعاد مثل أطلال خيمة خولة لما مر بها طرفة بن العبد.
علمنا كورونا أن الجمال لا يستقيم إلا بخاطر هانيء.
أمر بالحديقة فإذا بأشرطة بلاستيكية تطوقها. منع الدخول على بني البشر، والكراسي العامة تبدو وحيدة، إلا من عصافير تزقزق فوقها، وتلقي عليها فضلاتها.
علمنا كورونا أن الحميمية بين البشر لا تستلزم التصاق بعضهم ببعض. فالهواء النقي يستلزم فسحة بين الأشياء والمخلوقات.
نقف بمدخل مركز التسوق، ويفصل بيننا أكثر من متر ونصف المتر. لم يشتك أحد من طول الطابور، ولم يطل بنا أمد اقتناء ما نريد ودفع المقابل. فالأرض واسعة سعة تستوعب أجسادنا، وإذا ما توافقنا، يمكنها استيعاب أحلامنا أيضا. الضيق في القلب لا في المكان.
علمنا كورونا أن أقرب الأشياء إلينا قد يكون فيها هلاكنا.
نرتدي ملابس الخروج ونحن متجهون إلى العمل أو قضاء الحاجيات الضرورية، ونعود إلى المنزل لنبادر إلى خلع ثيابنا بسرعة وإلقائها في آلة التصبين. فالفيروس المتختل لن يتردد في الالتصاق بأكمامنا، ومنها قد يتسلل إلى الفم أو الأنف أو حتى العينين.
علمنا كورونا أن البقاء في البيت ليس تقليلا من شأننا، بل أحيى فينا مضمون المقولة القديمة: محل سكنى المرء هو حصنه a man’s home is his castle.
علمنا كورونا أن ذاكرتنا ليست ضعيفة. بل يكفي أن نخلو بأنفسنا لنرى شريط الذكريات يعود كأننا للتو سجلناه لحظة بلحظة. ألم تشعروا أننا أصبحنا أكثر شبابا ونحن نفتش في الأوراق والصور القديمة ؟
علمنا كورونا أن الحياة لا تسير في سكة مستقيمة. فأحيانا يمكن أن نضطر نحن سكان هذا الكوكب إلى تأجيل بعض أحلامنا وخططنا، ونعيد النظر في أولوياتنا ونظم اشتغالنا.
وعلمنا كورونا أن المنصب والثروة والنفوذ لن يعصمك من جبروت كائن مجهري لا يميز بين بوريس جونسون وعامل النظافة الذي سقط في ميدان الشرف. شرف أنحني معه إجلالا لصاحب الهندام الأخضر والمكنسة.
ولسوف نعلم المزيد بمرور كل يوم، من صاحب التاج الذي حكمنا رغم أننا لم نبايعه لا على السمع ولا على الطاعة…