مهرجان الثقافة الصوفية.. وحين يتحول جنان السبيل إلى روضة لمناجاة الله
الكاتبة الصحافية نادية الصبار
في جنان السبيل، حيث تتعانق الخضرة والماء والسماء، وتتشابك ظلال الأشجار الوارفة مع خيوط الضوء المتسللة بين الأغصان، تتنزّل السكينة على أرواح الوافدين إلى مهرجان فاس للثقافة الصوفية، لتنفتح أمام القلوب أبواب التأمل في أسرار الوجود ومعاني المحبة الإلهية.
هنا، في فضاءٍ سُخّرت جنباته لتكون روضةً للذاكرين والسائلين والسالكين في دروب القرب، يبدأ العبور إلى ذاكرة فاس البالي والجديد، فاس العارفة، فاس العالمة وأسرارها المخفية.
ففي جنان السبيل.. لا تمرّ الأشواق والأنفاس مرور الكرام، ولا يبدو الغدير، ولا ماؤه المنساب بين المتارب والمسارب والأفنان والمسالك، مجرد حال عابر من الأحوال؛ بل يرتفع المشهد من جمال الظاهر إلى شهود الباطن مع ترانيم المحبة ونفحات الذكر. حتى غدا الجنان عتبةً تعبر منها الحواس إلى بعدٍ لا يُدرك بالمنطق والعقل، بل بالقلب والكشف والمكاشفة؛ بعدٍ يتطلب طهارة النفوس من الأسقام والأكدار ليكون الارتحال سبيلاً إلى استحضار المعاني العميقة للرحلة الصوفية: مجاهدة النفس، والتخفف من أهوائها، وتوقاً إلى مقام تتراجع فيه رؤية الذات أمام شهود الحق.
ومع احتضان حديقة جنان السبيل جانباً من فعاليات المهرجان، تحت سماء دورةٍ اتخذت من الشعر الصوفي «إكسيراً للشفاء» نبضاً لبيانها، تتجدد العروة الوثقى بين المكان والذاكرة، حيث لا يقف العطاء عند حدود المشهد، بل ينفذ إلى باطن الروح مستسقياً صفاءها وتجردها؛ فكأنّ الروضة، بما تفيض به على العين من بهاء، وعلى الأذن من ترانيم، وعلى الحواس من فسحة الإصغاء فالإدراك، تُرجع العهد إلى معانيه الأولى، لتصير الطبيعة مرآةً صافية للتدبر في ملكوت الله، ومسلكاً واجداً إلى الحقيقة، واستشعاراً حياً للقرب من المطلق.
وما إن يعبر السالكون عتبة جنان السبيل حتى يستوقفهم بهاءُ تناغمٍ تتراءى أجزاؤه متباعدة في ظاهر الأمر، لكنها مع ذاك تلتئم: خضرة تمتد مد البصر، وماء وخريره يسابق جريانه حكايات المتقدمين، وسماء تمنح الروح رحابتها، وأصداء تتردد بين الأفنان حاملة أشواق الذكر والمحبة. وبين هذه اللطائف تتشكل تجربة تختزلها الترانيم فتتسع المسافة بين الإصغاء إلى الأصوات والإنصات إلى ما تثيره في أسرار الخفاء.

وماذا عن هذه الروضة التي سار إليها العابرون؟!
هاته الروضة التي سار إليها العابرون، عليها ماء غدير يفيض خريراً تكاد تحسبه لجة، وأما الأشجار مع الأذكار آناء الليل والنهار فظلال في الفيافي يستريح تحتها السائرون والسالكون، وعابرو السبيل إلى جنان الخلد، و”السبيل” سبيلاً إلى التأمل والتدبر في الواجد قبل الوجود، فتتلاشى في معارج السلوك ظلمات الغفلة، وتتوارى حُجُب الكثرة، حتى تنفتح البصيرة على آفاق الجمال، وتمضي من مقام الكشف إلى رحاب الشهود.
ولجنان السبيل هاته شأو يذكر كما في ذكر الذاكرين؛ فهي الجوهرة التي شيّدت في عهد السلطان العلوي الشريف مولاي عبد الله أواخر القرن الثامن عشر، لتمتد على مساحة تناهز سبعة هكتارات ونصفاً، وتعد بحق من أرفع الفضاءات التاريخية بمدينة فاس. ليعاد ترميمها في يونيو 2010، ضمن مساعٍ لصون هذه المعلمة التاريخية الفريدة، والحفاظ على ثراء أنظمتها المائية التقليدية من نوافير وسقايات وقنوات تنبض بدقة التدبير التقليدي للماء.
كما تحفل حنايا الروضة بأفانين النبات وبدائع الغراسة، تتوزع بين ممرات النخيل، وحديقة البامبو، والحدائق العطرية التي تستحضر عبق الطبيعة وذاكرة المكان وسفراً عبر الزمان. ما يجعل التجوال بين جنباتها ارتقاءً يتجاوز المشاهدة العابرة؛ فالرائحة تستجيش الذاكرة، وحركة الماء توقف الراحلة، ومناوبة الأضواء وشعاع الشمس بين الأغصان تتيح للروح والقلب التقاط أنفاس جديدة.
إشعاع روحي وثقافي
وعودة إلى بدء، لم تكن روضة جنان السبيل بمعزل عن نبض الروح، إذ بسطت ظلالها للوافدين إليها، يلتمسون في رحابها سبيلًا إلى التأمل والتدبر، ويتزودون من معين المعرفة والذكر، وخير الزاد التقوى. وفي هذا الفضاء الذي تتآلف فيه الطبيعة مع الوجدان، اتجهت اللقاءات الفكرية نحو استكناه التجربة الصوفية وأسرارها، واستجلاء صلاتها بعوالم الغيب، وما تختزنه الحكايات الشعبية من معانٍ تتجاوز ظاهر القول إلى ما يستقر في أعماق النفس من أسئلة الشفاء والطمأنينة والبحث عن الأسرار الربانية. وتجاورت هذه المقاربات مع تجارب تأملية استحضرت طقوسًا من ثقافات بعيدة كطقوس الشاي اليابانية “تشانوي”، جعلت من الحركة والوالثبات والسكينة، ومن الرائحة والمذاق، ومن فن الإصغاء، مسالك لاكتشاف ما يختبئ من عوالم محسوسة خلف أخرى ملموسة؛ فكأن الحواس، حين تتحرر تصبح نوافذ تطل منها الروح على عوالم أخرى أرحب.
ولم تقف الرحلة عند حدود الفكر والتأمل، بل امتدت إلى فضاءات الذكر والسماع، حيث تعانقت الأصوات والأنغام في وصلات روحية استدعت المحبة والوجد، واستحضرت موروثًا عريقًا في التعبير عن الشوق إلى الحضرة الإلهية. وبين إيقاعات الذاكرة المحلية وأصداء الموسيقى العابرة للثقافات، انفتحت الروضة على تجارب إنسانية متعددة، لتغدو الموسيقى لغة أخرى للمناجاة.
وهكذا تآلفت في جنان السبيل المعرفة والذكر، والتأمل والسماع، وتجاورت روافد روحية وثقافية متباينة في فضاء واحد، كأن الروضة تستعيد، عبر هذه اللقاءات، معنى السبيل بوصفه رحلة لا تنتهي عند حدود المكان، بل تبدأ منه نحو آفاق أرحب من المحبة والتعارف والتوق إلى المطلق؛ فيلتئم في جنباتها شتات الأصوات، وتلتقي دروب الوجد، ويصبح العبور من الحديقة إلى الروح ضربًا آخر من الارتحال.