الرائدة في صحافة الموبايل

المغرب في قلب المعادلة الأمنية الإفريقية.. ياسين المنصوري يقود شراكة استراتيجية من بنغازي

لم يعد الدور المغربي في محاربة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي مقتصراً على حماية الأمن الوطني، بل أصبح يمتد إلى المساهمة في بناء شراكات استخباراتية دولية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن مدينة بنغازي الليبية، يبرز هذا الحضور مجدداً من خلال الاجتماع الإقليمي رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب، الذي يجمع مسؤولين أمنيين واستخباراتيين من مختلف قارات العالم، في محطة تعكس المكانة التي بات يحتلها التعاون الأمني المغربي في النقاشات الدولية حول مستقبل الأمن الإقليمي.

وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن المملكة المغربية ليست مجرد طرف مشارك في هذا اللقاء، بل شريك في تنظيمه، من خلال المديرية العامة للدراسات والمستندات (لادجيد DGED)، التي يقودها ياسين المنصوري، بشراكة مع جهاز المخابرات الليبية، وبالتعاون مع الأمم المتحدة عبر منصة مراكش الإقليمية.

ياسين المنصوري.. الحضور المغربي في دوائر الأمن الدولي

إن ترؤس ياسين المنصوري أعمال هذا الاجتماع، إلى جانب رئيس جهاز المخابرات الليبية، الفريق أول حسين العائب، يحمل دلالة مؤسساتية تتجاوز التمثيل الرسمي، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة ومستوى المسؤولين المشاركين.

كما يكتسي حضور نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الفريق أول ركن صدام حفتر، أشغال هذا الاجتماع أهمية خاصة، بالنظر إلى مستوى التمثيل العسكري والأمني الليبي، وما يعكسه من اهتمام بتعزيز التنسيق في مواجهة التهديدات التي تستهدف استقرار المنطقة.

فالمغرب يراهن على التعاون الاستخباراتي باعتباره أحد المداخل الأساسية لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، في ظل تحولات أمنية جعلت الحدود الجغرافية أقل قدرة على احتواء التهديدات التي تنتقل عبر شبكات مترابطة، تستفيد من النزاعات المسلحة والهشاشة المؤسساتية ومسالك التهريب.

وفي هذا السياق، تضطلع المديرية العامة للدراسات والمستندات بدور ضمن منظومة الأمن الوطني، من خلال اختصاصاتها في مجال الاستخبارات الخارجية والتعاون مع الشركاء.

وتبرز أهمية هذه المهام في تعزيز القدرة على فهم المخاطر وتبادل المعلومات وتطوير مقاربات استباقية، في إطار التعاون مع المؤسسات النظيرة.

ولا تكمن أهمية المؤسسة المغربية في حضورها داخل الاجتماعات الدولية فحسب، بل في المساهمة في بناء قنوات تعاون مستدامة، تسمح بتنسيق الجهود وتبادل الخبرات ومواجهة التهديدات المشتركة. وهي مقاربة تنسجم مع إدراك متزايد بأن الأمن لم يعد شأناً محلياً، بل مسؤولية تتطلب شراكات عابرة للحدود.

بنغازي.. اجتماع يتجاوز البروتوكول إلى رهانات الاستقرار

تتجلى أهمية الاجتماع المنعقد في بنغازي في حجم المشاركة ومستوى التمثيل، إذ يشارك فيه 43 وفداً أمنياً واستخباراتياً من مختلف قارات العالم، من بينهم أكثر من 20 رئيس جهاز مخابرات، إلى جانب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ومسؤولين وخبراء متخصصين في قضايا الأمن القومي.

ويعكس هذا الحضور اتساع دائرة الاهتمام بالتحديات التي تواجه القارة الإفريقية، خصوصاً مع تنامي المخاطر المرتبطة بتداخل الإرهاب والجريمة المنظمة، وما يرافق ذلك من تهديدات للاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

كما أن انعقاد الاجتماع في ليبيا يمنحه بعداً إضافياً، بالنظر إلى أهمية التعاون الأمني في منطقة شمال إفريقيا والساحل والصحراء، حيث تتقاطع تحديات تأمين الحدود ومكافحة التهريب ومواجهة التنظيمات المتطرفة.

ومن هنا، فإن الرهان لا يتعلق فقط بتشخيص المخاطر، بل بقدرة المؤسسات المشاركة على تطوير آليات عملية لتبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز التنسيق، وبناء استجابات مشتركة للتحديات التي تتجاوز الإمكانات الوطنية المنفردة.

المغرب.. شريك في صناعة الأمن وليس مجرد مستفيد منه

تكمن إحدى أبرز دلالات الحضور المغربي في بنغازي في انتقال التعاون الأمني من مستوى العلاقات الثنائية إلى فضاءات متعددة الأطراف، تجمع المؤسسات المختصة حول أهداف مشتركة.

فالمملكة، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها الإفريقية والأوروبية والعربية، تدرك أن استقرار محيطها الإقليمي يرتبط بقدرة دول المنطقة على احتواء مصادر التهديد قبل امتدادها.

كما أن أمن الساحل والصحراء وشمال إفريقيا ليس ملفاً منفصلاً عن الأمن الأوروبي أو المتوسطي، بل جزء من معادلة دولية مترابطة.

ولهذا، فإن مساهمة المغرب في تنظيم اجتماعات من هذا المستوى تعكس توجهاً نحو تعزيز التعاون المؤسساتي وتوسيع قنوات التنسيق الأمني، بما يتيح للشركاء مناقشة التهديدات المشتركة ضمن إطار منظم.

ولا يعني ذلك أن دولة واحدة قادرة على معالجة جميع التحديات، أو أن الاجتماعات الدولية تكفي وحدها لضمان الاستقرار، بل إن القيمة الحقيقية لهذه المبادرات تكمن في تحويل الحوار إلى تعاون مستمر، وفي ترجمة التفاهمات إلى آليات فعالة تحترم سيادة الدول وتخدم أمن المواطنين.

منصة مراكش.. امتداد لدبلوماسية أمنية متعددة الأطراف

يشكل التعاون مع الأمم المتحدة عبر منصة مراكش الإقليمية لمكافحة الإرهاب أحد الأبعاد المهمة لهذا اللقاء. فقد أُطلقت المنصة سنة 2022 بمبادرة مغربية وبشراكة مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، بهدف تعزيز التعاون بين رؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب في إفريقيا وتبادل الخبرات والتجارب.

وتبرز أهمية هذه المبادرة في توفير فضاء مؤسساتي للتشاور بشأن تطور التهديدات، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة المعنية، وتطوير القدرات اللازمة لمواجهة الإرهاب في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

كما أن احتضان بنغازي لهذا الاجتماع يبرز اتساع نطاق هذا التعاون، ويؤكد أهمية إشراك شركاء إقليميين في الجهود الرامية إلى بناء منظومة أكثر تنسيقاً لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وهنا تتقاطع الدبلوماسية الأمنية مع العمل المؤسساتي، فالتعاون لا يقوم فقط على تبادل المواقف، بل يحتاج إلى الثقة وتراكم الخبرة واستمرارية التواصل بين الأجهزة المختصة.

التحدي الحقيقي.. تحويل التنسيق إلى نتائج ملموسة

على الرغم من أهمية الاجتماع ومستوى المشاركة فيه، فإن المعيار الحقيقي لنجاح هذه المبادرات سيظل مرتبطاً بما ستنتجه من تعاون عملي ومستدام.

فمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة تتطلب تطوير تبادل المعلومات، وتعزيز قدرات الرصد والتحليل، وتنسيق الجهود في مواجهة شبكات التهريب والتمويل غير المشروع، إلى جانب معالجة الظروف التي تسمح باستمرار التهديدات وانتشارها.

وفي هذا الإطار، يمكن للمغرب أن يواصل الإسهام في بناء شراكات أمنية متعددة الأطراف، مستفيداً من خبرة مؤسساته المختصة ومن علاقاته مع شركائه الإقليميين والدوليين، مع ضرورة إخضاع تقييم النتائج للمعطيات الموثقة والإنجازات القابلة للتحقق.

وجدير بالذكر أن اجتماع بنغازي يضع الدور المغربي في سياق أوسع من المشاركة الدبلوماسية، باعتباره شريكاً في تنظيم مبادرات للتعاون الأمني الدولي.

ويبرز حضور ياسين المنصوري، على رأس المؤسسة المغربية المختصة بالاستخبارات الخارجية، أهمية البعد المؤسساتي في هذه الشراكة، كما يعكس حضور الفريق أول ركن صدام حفتر مستوى التمثيل العسكري الليبي في هذا اللقاء، الذي يجمع مسؤولين من مؤسسات أمنية واستخباراتية دولية حول هدف مشترك يتمثل في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.

ففي عالم تتشابك فيه التهديدات، لم يعد الأمن يُصان بالحدود وحدها، بل بالاستباق والتنسيق والثقة بين المؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن الرهان المغربي يتجاوز مواجهة المخاطر الآنية إلى المساهمة في بناء تعاون إقليمي أكثر قدرة على حماية الاستقرار، وجعل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة مسؤولية مشتركة تتطلب التزاماً مستمراً ونتائج ملموسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد