بركان.. «مجالس الأنوار» تستحضر الامتداد العلمي والروحي للتصوف المغربي في إفريقيا
تتواصل فعاليات اليوم الثالث من الدورة الثانية لـ«مجالس الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ»، التي تنظمها الطريقة القادرية البودشيشية، بإشراف شيخها الحاج معاذ القادري بودشيش، احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف 1448هـ/2026م.
وتقام الدورة تحت شعار «امتداد التراث الصوفي المغربي بإفريقيا: المسارات، التجليات، والآفاق»، بمشاركة علماء وباحثين من المغرب وعدد من الدول، ضمن برنامج يجمع بين المجالس الروحية والنقاش العلمي حول أوجه الحضور التاريخي والثقافي للتصوف المغربي في إفريقيا.
وخصصت أشغال اليوم الثالث للمحور الثالث من البرنامج، بعنوان «التراث الصوفي المغربي وانتقاله المعرفي إلى إفريقيا»، حيث ركزت المداخلات على انتقال المعرفة والنصوص والمدائح النبوية والشعر، إلى جانب امتداد الطرق والزوايا، في مسار التواصل العلمي والروحي بين المغرب وبلدان إفريقيا.
وفي هذا السياق، تناول الدكتور علي يعقوب، أستاذ التعليم العالي بالجامعة الإسلامية بالنيجر، موضوع «امتداد التراث الصوفي المغربي بغرب إفريقيا»، مبرزاً عمق العلاقات التاريخية بين المغرب وغرب إفريقيا، والتي قامت على روابط تجارية وثقافية وعلمية وروحية، ولم تشكل الصحراء عائقاً أمام تطورها.
واستحضر الباحث، في هذا الإطار، كتابي «الشفا» للقاضي عياض و«دلائل الخيرات» لأبي الحسن الجزولي، باعتبارهما من النماذج التي أسهمت في انتقال التراث الديني والصوفي المغربي إلى غرب إفريقيا، من خلال نشر السيرة النبوية والشمائل والمدائح وتعزيز التواصل العلمي والروحي.
من جهته، بحث الدكتور عبد العزيز سانا، من بوركينا فاسو والأستاذ الجامعي بالجامعة الإسلامية بالنيجر، موضوع «تلقي الزوايا والكتاتيب البوركينابية لتخميس الوسائل المتقبلة في مدح النبي وتأثيره في تعظيم الرسول لدى المتصوفة في المجتمع البوركينابي».
وتوقف الباحث عند حضور المديح النبوي في الزوايا والكتاتيب العلمية ببوركينا فاسو، سواء باللغة العربية أو باللغات المحلية، مبرزاً دوره في ترسيخ محبة الرسول ﷺ وتعظيمه، وفي الحفاظ على تقاليد التلقي العلمي والروحي داخل المؤسسات الصوفية والتعليمية.
كما تناول مراحل نشأة قصائد «تخميس الوسائل المتقبلة في مدح النبي» وتلقيها وتداولها، والوسائط التي ساهمت في انتشارها داخل الأوساط الصوفية والعلمية، قبل أن يخلص إلى إبراز أثرها في الحياة الدينية والثقافية للمجتمع الصوفي البوركينابي.
وفي مداخلة أخرى، تناول الدكتور علي أبولاحي عبدالرزاق، الأستاذ الجامعي بكلية اللغة العربية والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية بالنيجر، موضوع «امتدادات البردة والهمزية في المدائح النبوية النيجيرية: دراسة تناصية لنماذج من القصائد».
وسلط الباحث الضوء على حضور المديح النبوي في الشعر العربي الذي أنتجه علماء ومتصوفة نيجيريا، ومدى تأثره بالنماذج الشعرية العربية الكلاسيكية، وفي مقدمتها بردة الإمام البوصيري وهمزيته، موضحاً أن الشعر العربي شكل، تاريخياً، إحدى أدوات نقل العلوم والمعارف الإسلامية وترسيخ اللغة العربية وآدابها في المنطقة.
كما بحث مفهوم التناص في المديح النبوي النيجيري، من خلال استلهام المضامين والصور والأساليب والتراكيب الواردة في النماذج الشعرية السابقة، بما يعكس حضور الموروث البوصيري في الذاكرة الأدبية والصوفية النيجيرية.
بدوره، تناول الدكتور محمد غاني، إطار بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وأستاذاً زائراً بعدد من الجامعات الغربية، موضوع «الأثر التربوي للمدائح النبوية والامتداد الإفريقي»، مبرزاً الأبعاد التربوية للمديح النبوي المغربي وامتداده إلى إفريقيا، ودوره في ترسيخ قيم الاعتدال والاقتداء بالنبي ﷺ.
وأشار إلى أهمية السماع المنضبط في التربية الجماعية وحفظ المتون، وتكامل عدد من المؤلفات، من بينها البردة والهمزية والشفا وصحيح البخاري، في بناء الممارسة الروحية والتربوية. كما تطرق إلى دور مفهوم الإذن والسند في نقل الممارسات الصوفية، واستحضر إسهامات عدد من أعلام التصوف الإفريقي في تطوير هذا الإرث وربطه بخدمة المجتمع والعمران.
من جانبه، تناول الدكتور سيد أعمر الشيخ عابدين، مدير المركز الإفريقي للأبحاث والاستشارات بنواكشوط، موضوع «الإشعاع الديني والحضاري للتصوف في المغرب وبلاد شنقيط وإفريقيا جنوب الصحراء، المدرسة القادرية الكنتية نموذجاً»، مستعرضاً الأدوار الدينية والعلمية والتربوية والإصلاحية للطريقة القادرية الكنتية، وانتشارها في مناطق واسعة من المغرب والصحراء وإفريقيا جنوب الصحراء.
كما تطرق إلى إسهاماتها في التعليم وحفظ السلم وتنظيم التجارة، وصلاتها التاريخية بالسلاطين المغاربة، فضلاً عن أدوارها في مواجهة الاستعمار الفرنسي وبناء شبكات صوفية عابرة للقبائل والمناطق.
وخلصت أشغال الجلسة إلى أن الامتداد الصوفي المغربي في إفريقيا تجاوز انتقال الطرق والزوايا، ليشمل مجالات المعرفة والأدب والتربية والروحانيات، من خلال الكتب والمتون والمدائح والأشعار ومؤسسات التعليم والتربية، بما أسهم في بناء جسور للتواصل الثقافي والروحي بين المغرب وعدد من بلدان القارة.
واختُتمت الجلسة بحصة للمديح والسماع أحيتها المجموعة الرسمية للطريقة القادرية البودشيشية بمداغ، في أجواء روحانية تفاعل معها الحاضرون.
وتتواصل فعاليات «مجالس الأنوار» إلى غاية 25 غشت الجاري، بمشاركة علماء وباحثين ومريدين من المغرب وعدد من الدول الإفريقية والآسيوية والأوروبية، ضمن برنامج يجمع بين المجالس الروحية والندوات العلمية، ويتناول جوانب من الامتداد التاريخي والثقافي والروحي للتصوف المغربي في إفريقيا.