من الرباط… نقاش دولي حول آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان
هيئة دنا بريس
بعد عشرين عاماً من إطلاق آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، لم يعد النقاش ينحصر في تقييم مسارها أو استعراض ما راكمته من توصيات وتقارير، بل امتد إلى مساءلة أثرها الفعلي على واقع حقوق الإنسان داخل الدول. ومن هذا المنطلق احتضنت الرباط يومي 5 و6 يونيو 2026 ورشة تفكير دولية نظمتها المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بشراكة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة “يو بي آر إنفو”، تحت شعار: “ما بعد الجولة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل: دعم الآلية وضمان التأثير في واقع حقوق الإنسان”.
وجمعت هذه التظاهرة الدولية مسؤولين أمميين وخبراء وممثلين عن عدد من الدول من مختلف القارات، يتقدمهم رئيس مجلس حقوق الإنسان سيدهارثو سوريوديبو ورئيسة شعبة الاستعراض الدوري الشامل بمجلس حقوق الإنسان جولييت دو ريفارو، إلى جانب ممثلي وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وخبراء دوليين ينتمون إلى 28 دولة.
ويكتسي تنظيم هذه الورشة أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنه مع قرب اختتام الجولة الرابعة من الاستعراض الدوري الشامل واستعداد المجتمع الدولي للاحتفاء بالذكرى العشرين لإحداث هذه الآلية الأممية سنة 2006، باعتبارها واحدة من أبرز الآليات التي أفرزتها منظومة الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان.
وفي كلمته الافتتاحية، اعتبر المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان محمد الحبيب بلكوش أن هذه المحطة لا ينبغي أن تشكل مجرد مناسبة للاحتفاء بمسار امتد لعقدين، بقدر ما يفترض أن تكون فرصة للتقييم الجماعي واستشراف المستقبل. مؤكدا أن الاستعراض الدوري الشامل استطاع، بفضل طابعه الشمولي ونهجه القائم على الحوار بين النظراء وطبيعته التعاونية، أن يتحول تدريجياً إلى فضاء متميز لتبادل التجارب وتقاسم الممارسات الجيدة وتشجيع الإصلاحات في مجال حقوق الإنسان.
وأشار المندوب الوزاري إلى أن هذه الآلية ساهمت على امتداد الجولات السابقة في ترسيخ ثقافة التقييم والشفافية والمساءلة، كما شجعت العديد من الدول على الانخراط في إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، والانضمام إلى صكوك دولية جديدة، وتطوير آلياتها الوطنية للتتبع، فضلاً عن توسيع مشاركة مختلف الفاعلين في المسارات المرتبطة بحقوق الإنسان.
بل توقف بلكوش عند ما اعتبره؛ التحدي المركزي، الذي يواجه الاستعراض الدوري الشامل في مرحلته الحالية، والمتمثل في ضمان التنفيذ الفعلي للتوصيات وتحويلها إلى نتائج ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين. فالتجربة المتراكمة، بحسبه، أظهرت أن نجاح الآلية لا يقاس فقط بجودة التوصيات الصادرة عنها، وإنما أيضاً بمدى قدرة الدول على تنزيلها وتحويلها إلى سياسات وإجراءات وممارسات تحدث أثراً حقيقياً في واقع الحقوق والحريات.
ومن هذا المنطلق، شدد بلكوش على أهمية ترسيخ التملك الوطني لمسار الاستعراض الدوري الشامل من قبل مختلف المؤسسات والفاعلين المعنيين، معتبراً أن النتائج الأكثر استدامة تتحقق عندما تنخرط مختلف الأطراف في مراحل صياغة الالتزامات وتتبع تنفيذها، وليس الحكومات وحدها. مبرزا العلاقة الوثيقة بين فعلية حقوق الإنسان وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، معتبراً أن الاستعراض الدوري الشامل يمثل أداة مهمة لتعزيز الانسجام بين الالتزامات الدولية للدول والسياسات العمومية المعتمدة في خدمة التنمية البشرية.
وفي استعراضه للتجربة المغربية، أكد المندوب الوزاري أن المملكة تنظر إلى الاستعراض الدوري الشامل باعتباره رافعة للتحسين المستمر للعمل العمومي وأداة لمواكبة الإصلاحات الوطنية، أكثر من كونه مجرد آلية دولية للتقييم. واستحضر في هذا السياق ما شهدته البلاد خلال العقدين الأخيرين من إصلاحات مهيكلة شملت تعميق تجربة العدالة الانتقالية من خلال تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، واعتماد دستور 2011، وتعزيز حقوق المرأة، وتكريس التنوع الثقافي، وإدماج حقوق الإنسان في التوجهات الاستراتيجية للتنمية.
كما توقف عند الدور الذي تضطلع به المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بصفتها الآلية الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، معتبراً أن تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين الوطنيين يمثل أحد الشروط الأساسية لضمان الوفاء بالالتزامات الدولية وتحويل التوصيات الأممية إلى سياسات عملية. وفي هذا الإطار، أبرز تنامي الاهتمام الدولي بالآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع باعتبارها إحدى أهم التطورات التي شهدها النظام الدولي لحقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة.
ولم تغب عن النقاشات المطروحة خلال الورشة رهانات المستقبل، حيث دعا بلكوش إلى التفكير في سبل الاستفادة من الأدوات الرقمية والابتكارات التكنولوجية لتطوير آليات التتبع وتدبير المعلومات وتقييم النتائج، مع احترام المبادئ الأخلاقية والحقوق الأساسية. كما شدد على أهمية التعاون الدولي وتبادل الخبرات وتعزيز التعاون جنوب-جنوب باعتبارها روافع أساسية لتقوية فعالية الآليات الأممية لحقوق الإنسان.
وإذا كانت هذه الورشة قد أتاحت فرصة لتقييم حصيلة أربع جولات من الاستعراض الدوري الشامل، فإنها فتحت في الآن ذاته نقاشاً أوسع حول مستقبل هذه الآلية وقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. فبعد عشرين سنة من إحداثها، يبدو أن الرهان لم يعد مرتبطاً فقط بتطوير الإجراءات والمساطر، بل بضمان الأثر الفعلي للتوصيات على السياسات العمومية وعلى حياة المواطنين.