ملوك أمازيغ صنعوا الحضارة الأمازيغية بشمال أفريقيا
الدكتور محمد حماس

يتم الاحتفال بحلول السنة الأمازيغية في الفاتح من “ين أيور”، الذي يصادف 13 يناير ميلادية. ويحمل كل شهر تسمية لها دلالتها ورمزيتها. والتقويم الأمازيغي مشبع بالرمزية، والتأريخ للوقائع، والأحداث التي مرت بها الحضارة الأمازيغية، ويتم استحضارها في بعدها الاحتفالي على مستوى بلاد الأمازيغ بالشمال الأفريقي.
جاء احتكاك الرومان بالأمازيغ عبر القرطاجيين. فقد كانت الحروب الدائرة بين الرومان والقرطاجيين سببا غير مباشر في تزايد أطماع الرومان نحو ثروات بلاد الأمازيغ، وبالتالي احتلال تلك البلاد، والدخول في حرب مقابل مقاومة صامدة، وعنيفة من طرف الأمازيغ. هكذا دام الاحتلال الروماني لأرض الأمازيغ من سنة 204 ق.م، إلى سنة 429 م(1).
كانت المقاومة الأمازيغية للآخر، الدخيل، عنيفة، وممنهجة، تتوخى تحقيق النصر في الميدان. هكذا برز العديد من القادة الأمازيغ الذين استطاعوا قيادة القبائل الأمازيغية نحو السلطة، ومنهم:الملك يوبـــــا الثاني
⦁ الملك يوبـــــا الثاني
ارتبط اسم يوبا أو جوبا الثاني(52 ـ 23 ق.م)، بسعة العلم، والثقافة، إذ يعتبر من كبار العلماء والمثقفين الأمازيغ، وقد تميز بحبه الشديد للسفر والتجوال، والبحث المعرفي. فألف العديد من المصنفات، تعرضت للتلف، فلم يصلنا منها شيئا سوى بعض الإشارات المبثوثة في كتب المؤرخين. تمكن يوبا الثاني من توحيد القبائل الموريتانية، في إطار مملكة مورية، وسار على نهجه ابنه بطليموس، فاتخذ من مدينة “شرشال” عاصمة لمملكته بالجزائر، ثم عاصمة ثانية بالمغرب هي “وليلي”، وفي هذا الاختيار نوع من المحاباة للرومان. تميز حكم يوبا الثاني بالديمقراطية، إذ نهج طريق التمثيلية النيابية، وعلى المستوى الاقتصادي شجع الزراعة والصناعة والتجارة، واتسع اهتمامه لشمل مجالات العلم، والفكر، والثقافة، فأنشأ مكتبة ضخمة تضم عددا هائلا من الكتب في مختلف التخصصات، وقرب العلماء من اليونان والرومان. ومن أهم إنجازاته في المجال الطبي، أنه أمر بجمع النباتات الطبية والأعشاب، وشارك في رحلات علمية استكشافية داخل جبال الأطلس ونحو جزر كناريا الحالية. وجمع رحلاته العلمية وكشوفاته الطبيعية والجغرافية وأحاديثه عن المغرب في ثلاثة مجلدات ضخمة سميت “ليبيكا”ومن أحسن ما تضمنته “ليبيكا”، قصة “الأسد الحقود”، التي مازالت ترويها الجدات في أنحاء شاسعة من بلاد الأمازيغ(2)
لقد تميز يوبا الثاني بغزارة علمه، ونبوغ فكره، خاصة وأنه كان يكتب باليونانية، الشيء الذي جعل أهل أثينا ينصبون له تمثالا تقديرا لمكانته المعرفية. لكن هذه المكانة جلبت له العديد من المنافسين والأعداء. هذا الغل والحقد حمله المؤرخ الفرنسي “ستيفان غزيل”، الذي عمد لتغييب تاريخ يوبا الثاني، والتقليل من شأنه، بشكل غير موضوعي(3)، تحكمه النزعة الاحتقارية للأمازيغ، مقابل وهم التفوق لدا الفرنسيين، واعتبارهم ورثة الرومان… من مؤلفات يوبا الثاني: ” آثار آشور”، و”آثار الرومان القديمة”، و”تاريخ المسارح”، و” تاريخ الرسم والرسامين”، و”منابع النيل”، و”النحو”، و”النبات”… كما اشتغل بتدريس يوليوس قيصر الروماني، وتثقيفه وتعليمه(4)، الشيء الذي يؤكد الحضور القوي والمؤثر لهذا الزعيم الأمازيغي، الذي استطاع أن ينتزع اعتراف العدو بمكانته المعرفية، والفكرية
فكانت تلك بداية التقويم الأمازيغي، قبل 950 سنة من بداية استعمال التقويم الميلادي. ويختلف التقويم الأمازيغي، عن الميلادي، والهجري، كونه لا يرتبط بحدث ديني أو طقس تعبدي، فهو تعبير عن الارتباط بالأرض، لهذا عرفت بداية السنة الأمازيغية ببداية العام الفلاحي. هكذا يتم الاحتفال بحلول السنة الأمازيغية في الفاتح من “ين أيور”، الذي يصادف 13 يناير ميلادية. ويحمل كل شهر تسمية لها دلالتها ورمزيتها. والتقويم الأمازيغي مشبع بالرمزية، والتأريخ للوقائع، والأحداث التي مرت بها الحضارة الأمازيغية، ويتم استحضارها في بعدها الاحتفالي على مستوى بلاد الأمازيغ بالشمال الأفريقي…
⦁ لوكيوس أبوليوس
يعتبر لوكيوس أبوليوس (125 ق.م – 180 ق.م)، من بين الأعلام الأمازيغ الذين تركوا بصمة واضحة في التراث الحضاري الأمازيغي، وبالتالي في الحضارة الأمازيغية بشكل عام. هو خطيب لامع وفصيح، فيلسوف، وعالم طبيعي، وكاتب أخلاقي وروائي، ومسرحي، وملحمي، وشاعر غنائي. ولد في مدينة “مادور”(مداوروش) في ولاية سوق “أهراس” بالجزائر. تأثر بالفيلسوف أفلاطون. وقد كتب أول رواية في التاريخ، تحت عنوان “التحولات”، أو “التغيرات”، باللغة اللاتينية القديمة. وهي الرواية المعروفة باسم “الحمار الذهبي”، وتقع في أحد عشر جزءا. إضافة إلى مؤلفات أخرى في الفلك، والرياضيات، والفلسفة، والموسيقى…
النص: الفقر والغنى الحقيقيان
بإمكاني هنا حقا مجادلتك حول تسمية الفقر أصلا. فما بالفقير حقا من لا يحب الكماليات، ويملك الضروريات، التي هي وفق الطبيعة قليلة جدا. فإنما يملك الكثير من يبتغي القليل، ويملك قدر ما يبتغي من يبتغي الحد الأدنى، لذا يحسن أن يقدر(فتح الدال مشددة) ثراء الإنسان بالنظر إلى نفسه لا إلى أملاكه وأرباحه. فإن يك من حرصه في عوز، وفي لهفة على الربح أيا كان مصدره، ولا تشبع جشعه جبال من الذهب، بل يظل دوما يستزيد ليضم شيئا إلى رصيده السابق. فذاك حقا هو الإقرار بالفقر. لأن الرغبة في امتلاك أي شيء تنبع من فكرة الاحتياج ولا يهم حجم ما ينقصك. لم يكن لفيلسوف قدر ما لـ”إليوس”، ولا لـ”إليوس” قدر ما لـ”شبيون”. ولا لـ”شبيون” قدر ما لـ”كراسوس ديوس”. لكن حتى “كراسوس ديوس” لـم يكن يملك قدر ما يشتهي. هكذا رغم تفوقه على الجميع، تفوق عليه جشعه، وهو يبدو غنيا للجميع إلا لذاته. بينما لم يكن الفلاسفة الذين ذكرت يريدون فوق ما يملكون. بل تطابق رغباتهم مع وسائلهم، فعاشوا بحق في سعة وسعادة. تجعلك شهية التملك فقيرا، والقناعة غنيا: فسمة الفقر الرغبة، وسمة الغنى الشبع. فإن شئت يا “إميليانوس” اعتباري فقيرا، لابد أن تعلم قبل ذلك أني أحرص على امتلاك المزيد. لكن إن لم يكن يعوز نفسي شيء، فلا يضيرني كم ينقصني من الأشياء الخارجية، التي ما وفرتها بمحمدة، ولا ندرتها بمذمة.
خلاصة:
استطعاع الأمازيغ عبر تاريخهم العريق، التأسيس لمحطات أكدت حضورهم الحضاري، وبالتالي تأثيرهم في الحضارات الأخرى، وتأثرهم بها، مع الحفاظ على هويتهم الأمازيغية الخالصة. لقد تميز شعب الأمازيغ، وقادتهم التاريخيين، بتلك النظرة الثاقبة البعيدة عن التجزيء، والرامية إلى الحفاظ على وحدة بلاد الأمازيغ، رغم ما انتاب بعض الفترات من تناحر بين الأمازيغ أنفسهم، بسبب الموالاة للرومان، والقرطاجيين. ثم انتصارهم لثقافتهم، وتمردهم ضد كل دخيل. فالأمازيغ شعب حر نبيل، لا يمكن تروضه أو إخضاعه. عانى كثيرا من تكالب الأجانب على أراضيه، وما تحمله من خيرات، ثم عانى من حيف المؤرخين الذي عمدوا إلى تحريف تاريخه، واجتثاث جذوره.
لقد اكتفينا في هذا الحيز الضيق باستحضار 3 شخصيات أمازيغية من بين العشرات من الذين صنعوا تاريخ وحضارة هذا الشعب. فمن جهة هناك يوبا الثاني القائد السياسي، العالم المفكر، الذي استطاع أن يبدع، ويتفوق. ثم من جهة ثانية، شيشونغ القائد العسكري المقاوم، والثائر الذي استطاع الرد على اعتداءات الفراعنة إلحاق الهزيمة بهم، وقيادة الأمازيغ نحو مرتبة الحكم الفرعوني، فصنع الحدث التاريخي، فكان التقويم الأمازيغي، ثم أبوليوس العالم الكبير … الأمر إذن يتعلق بتراث حضاري وجبت قراءته بكل موضوعية، وتجرد، للاستفادة منه.
الهوامش
⦁ بوزيان الدراجي: القبائل الأمازيغية. أدوارها، ومواطنها، وأعيانها. ج 1. ط 4. 2010. ص 89
⦁ أنظر في هذا الصدد المؤلفات التالية: تاريخ أفريقيا الشمالية لشارل أندري جوليان. ولمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين لمحمد شفيق. مجمل تاريخ المغرب لعبد الله العروي
⦁ محمد شفيق: لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين
⦁ نفسه، ص.
⦁ لوكيوس أبليوس: المرافعة، أو دفاع صبراتة. ترجمة عمار الجلاصي. منشورات موقع تاوالت. ليبيا. ص 29