التداعيات النفسية لأزمة وباء كورونا على الصحة العقلية
ذ. أحمد رباص
أصاب الفيروس عقولنا أكثر ما أصاب أجسادنا. قلق من المرض، انزعاج من الحجر أو الخوف من المستقبل.. لذا، فإن التداعيات النفسية التي نعيشها متعددة الأوجه. ولكن ليست كل الخطابات حول هذا الموضوع باعثة على القلق.
من بين الأعراض النفسية الأولية المتعلقة بالأزمة، كانت هناك أولاً صعوبات في التركيز. لقد أصبحت الكتابة والقراءة في مواضيع أخرى غير الوباء صعبة بالفعل بالنسبة للبعض. هذه هي حالة الكاتبة الأمريكية جويس كارول أوتس، التي قالت ذلك في نص نُشر قبل بضعة أيام في الصحيفة الفرنسية اليومية Libération :
“عادة ما تكون حياتي متوقعة وثابتة وممتعة (إلى حد ما)، فأصبحت مضطربة مثل مقطورة في جبال روسية رميت في قبر مفتوح. بلا قدرة على العمل أو، لنقل، على إيجاد التركيز الضروري لتهييء عملي، ها أنذا فريسة لرسائل البريد الإلكتروني، للرسائل النصية وللمكالمات الهاتفية الأخرى غير المفاجئة التي تجلب لي نصيبها من الأخبار “المقرمشة”، بعض بارقات أمل صغيرة لأجل رعب إضافي: 76000 حالة وفاة بسبب فيروس كرونا في الولايات المتحدة والعداد لا يتوقف عن الدوران.”
يصف كاتب آخر، دوغلاس كينيدي، نفس أعراض الخلخلة العقلية، في عمود نُشر في صحيفة Le Monde :
“في هذه اللحظة، تقريبا كل الأشخاص الذين أعرفهم يعانون من مشاكل في النوم. أصدقائي المحامون، أصدقائي الأطباء، أصدقائي الأساتذة الجامعيون. أصدقائي قدماء سماسرة بورصة وول ستريت. المرأة التي قصت شعري في ذلك اليوم، هنا، في ولاية مين الأمريكية (حيث تم الإعلان عن الحلاقين كمقدمي “خدمات أساسية” واستطاعوا فتح محلاتهم … مع كمامات إلزامية للجميع). كلهم تحدثوا لي عن أرقهم.”
ويتابع: “بالنسبة للأشخاص من حولي الذين هم في علاقات زوجية مهتزة أو في أسر تعاني من مشاكل، فإن الحجر يقترب بالنسبة لهم من هذه الرؤية عن حميمية يومية جديرة بأوغست ستريندبرغ [كاتب الدراما السويدي، 1849-1912]: “عذاب على شكل طريق مسدود مع عدم وجود مخرج محتمل … لأنه لا يوجد بالفعل مكان آخر يمكن اللجوء إليه.”
ومع ذلك، لاحظ هذه المفارقة االمتمثلة في أن الأشخاص القلقين أو المكتئبين ليس حالهم بالضرورة أسوأ حال. القلق يأتي – كما لاحظ – غالبا من فكرة أن شيئا خطيرا سيحدث حتما. لكن “الشيء الفظيع” هو ما يحدث بالفعل الآن. لا عجب […] أن يقول كل واحد من أولئك الذين قضوا جزءا كبيرا من حياتهم في التفاوض على هذه المتاهة المظلمة التي تسمى الاكتئاب في قرارة نفسه: الآن جميع الناس في العالم غير المكتئب لديهم لمحة عما يبدو عليه عالمي الداخلي.”
ويتابع مستشهدا بالشاعر ويليام بتلر ييتس: “القلق هو بالطبع إحدى سمات الحالة الإنسانية. كذلك هو الخوف؛ الخوف الذي لدينا جميعاً من الانهيار الفردي والجماعي، مثلما عبّر عنه بشكل رائع الشاعر الأيرلندي المزداد بدبلن عام 1865 في قصيدة له بعنوان “الظهور الثاني”، ترجمها إلى الفرنسية إيف بونيفوي:
تتداعى الأشياءُ.. ولا يصمدُ مركزُها
والفوضى تجتاحُ العالمَ
ويسيلُ الدمُّ الشاحبُ في كل مكانٍ
يُغرقُ زيفَ براءتنا
قشرة الدماغ والقلق
تحدث الطلبة أيضا عن صعوبة في التركيز خلال هذا الوقت غير المعتاد. فسرت بياتريس بوديلكو، أستاذة علم النفس التربوي بجامعة كيبيك في مونتريال، لموقع theconversation سبب حدوث ذلك. في وضعية الخطر، ” تنشط اللوزتان بسرعة وبشكل تلقائي استجابة للمنبهات الاجتماعية المحملة بالمشاعر السلبية. تظهر أبحاث علم الأعصاب أن الأشخاص لا يكونون حساسين جدا تجاه الشحنة العاطفية لإدراكاتهم فحسب، بل أيضا لأنهم غير قادرين على تجاهلها.”
الأكثر إثارة للقلق هو افتراض موجة وبائية ثانية من طبيعة اكتئابية. ليس بسبب الحجر أو الأزمة الاجتماعية التي يسببها، ولكن لأن أولئك الذين أصيبوا بالمرض قد يعانون من تداعيات نفسية لعدة أشهر. الفيروس عصبي بالفعل، ما يعني أنه قادر على مهاجمة الدماغ. يؤدي ذلك إلى الخوف من تدهور الصحة العقلية وزيادة في حالات الانتحار، كما نقرأ في مقال منشور بجريدة Les Echos بقلم يان فيردو.
الحجر/ الشرنقة
ولكن إذا كانت الأزمة تولد القلق، فإنها لم تكن كبيرة كما كان يخشى المرء، مثلما أشار إلى ذلك الباحث في إبستيمولوجيا الصحة العقلية كزافيي بريفو في مقال له بجريدة L’Humanité : “قد يكون للحجر دور في القلق. إن حبس الناس في المنازل يحميهم من التعرض للفيروس – كان هذا هو الهدف – ولكن أيضا، بالنسبة للبعض، من العمل، من النقل المزدحم، خاصة في المناطق العالية التمدن والخاضعة عادة للضغط النفسي الحاد.
كما أن لمخففات الصدمات السوسيوقتصادية (البطالة الجزئية ..) دورها. بالنسبة لأولئك الذين تمكنوا من الاستفادة من هذا الوضع، فإن البقاء في المنزل يمكن أن يؤدي دورا وقائيا. أفكر في المأجورين، مستخدمي قطاع الخدمات أو الموظفين. بالطبع، هذا لا ينطبق على أولئك الذين بقوا معرضين للخطر، لأنهم لم يتمكنوا من العمل عن بعد، بالنسبة للمهن الحرة …”
لا يبدو أن مرحلة رفع الحجر قد تتسبب في مخاوف جديدة هائلة: “لم نر أبدا في فرنسا الكارثة النفسية التي كنا نخشاها ترتسم. القلق ينتاب بالأحرى أولئك الذين سيعانون غدا من العواقب الاقتصادية للأزمة ” .
يطرح الباحث الفرضية القائلة بأن الاندهاش من وضعية الحجر غير المسبوقة كان بنفس القدر من الفيروس نفسه الذي خلق القلق: ” كانت الاستجابات الاجتماعية مجنونة مثل الالتهابات الناتجة عن كوفيد-19 لدى المرضى الأكثر تضررا. في الغالب، مات الضحايا بسبب رد فعل مفرط من جهازهم المناعي. يمكننا أن نقول إنه كان هناك أيضا رد فعل زائد من الجسم الاجتماعي على هذه الظاهرة الصحية.”