لكل زمن سياسي رجالاته… وأخنوش ليس استثناءً!
نادية الصبار
مديرة موقع دنا بريس
في السياسة، كما في التاريخ، لا توجد مواقع محصنة إلى الأبد، ولا نفوذ بمنأى عن تحولات وتقلبات المشهد السياسي. قد يصعد رجال الدولة إلى أعلى المراتب، وقد تتسع دوائر تأثيرهم حتى يبدو أنهم أصبحوا جزءاً من المشهد الذي لا يمكن تخيله من دونهم، لكن التجارب السياسية تؤكد أن موازين القوة لا تعرف الثبات المطلق، وأن لكل مرحلة رجالها، ولكل مرحلة حدودها.
قبل سنوات، عندما كانت حملة المقاطعة تستهدف بعض المنتجات المرتبطة بعزيز أخنوش، انقسم الرأي العام بين من رأى فيها ثورة ضد الغلاء، ومن اعتبرها مجرد زوبعة عابرة سرعان ما ستنتهي. يومها كان من الصعب تخيل أن الرجل الذي وُضع في قلب عاصفة الحليب والبنزين سيصل بعد سنوات قليلة إلى رئاسة الحكومة، وأن يصبح قوة سياسية ذات حضور ونفوذ كبيرين.
وقد تحقق ذلك ووصل أخنوش إلى رئاسة الحكومة، وتصدر حزبه المشهد الانتخابي، وبدا لكثيرين أن المقاطعة لم تكن سوى محطة عابرة في مسار صعود متواصل. غير أن قراءة المشهد السياسي المغربي لا تتوقف عند لحظة الصعود والوصول إلى القمة، بل ما إذا كانت القمة نفسها تشكل نهاية المسار أم بدايته الأخيرة.
ذلك أن النظام السياسي المغربي يمتلك خصوصية جعلته على الدوام عصياً على القراءات التبسيطية. فهو ليس نظاماً حزبياً صرفاً كما هو الحال في عدد من الديمقراطيات الغربية، ولا نظاماً تقليدياً بالمفهوم الكلاسيكي للكلمة، بل نظام زاوج بين الحداثة والتقليدانية وراكم عبر تاريخه الطويل قدرة كبيرة على استيعاب الفاعلين وإعادة ترتيب مواقعهم وإنتاج توازنات جديدة تقتضيها كل مرحلة على حدى.
ولهذا السبب بالذات، يصعب الحديث عن نفوذ ممتد وسلطة بدون سقف. فالتاريخ السياسي المغربي يقدم العديد من الأمثلة على شخصيات بلغت مستويات عالية من الحاه والمال والسلطة والتأثير قبل أن تندحر وتفسح المجال لآخرين.
ولعل حالة إدريس البصري تظل من أكثر الأمثلة دلالة، فالرجل لم يكن مجرد وزير داخلية عادي، بل كان عنواناً لمرحلة كاملة من تاريخ الدولة المغربية. ومع ذلك، احترقت ورقته السياسية وانتهى معها دوره المركزي. ولم يكن الأمر مرتبطاً بضعف الولاء أو غياب القرب من المؤسسة الملكية، بل بمنطق الدولة نفسها التي لا تتوقف عن إعادة إنتاج توازناتها.
والأمر ذاته يمكن قراءته، مع اختلاف السياقات طبعاً، في تجربة عبد الإله بن كيران، فقد انتقل الرجل من موقع الفاعل السياسي الأكثر حضوراً إلى خارج دائرة الحكومة، رغم تصدر حزبه للمشهد الانتخابي آنذاك. ولم يكن ذلك بتاتا نهاية الحياة السياسية للرجل، لكنه كان نهاية زمنه السياسي ونهاية مرحلة وبداية أخرى.
وقد يكون من المجدي اليوم؛ النظر إلى ما يجري داخل الحزب الذي قاده عزيز أخنوش ولسنوات باعتباره إعلاناً لنهاية مرحلة سياسية. وقد يكون من السهل أيضاً الربط بين ما يحدث الآن وبين الأسئلة التي طُرحت زمن المقاطعة قبل ذلك بكثير.
غير أن الحكم يقتضي قدراً من التروي. فليس كل تراجع نهاية، وليس كل إعادة ترتيب إعلاناً عن سقوط نهائي، فالسياسة في المغرب، لعبة أكثر تعقيداً وعصية على أن تختزل في مجرد صعود رجل أو أفول آخر.
ومع ذلك، يصعب تجاهل دلالة اللحظة. فعندما تبدأ عملية إعادة ترتيب الصفوف داخل حزب كان إلى وقت قريب يتصدر المشهد السياسي، وعندما تتزامن هذه التحولات مع اقتراب استحقاقات انتخابية جديدة، فإن الأمر يتجاوز القرارات التنظيمية العادية ليصبح مؤشراً يستحق التأمل.
ربما لا نكون أمام نهاية رجل بقدر ما نكون أمام نهاية مرحلة. وربما لا يتعلق الأمر بأخنوش وحده، بل بمنطق سياسي ظل يتكرر بأشكال مختلفة ولعقود: صعود نخب جديدة، بلوغها ذروة الحضور، ثم الشروع في إعادة توزيع المواقع والأدوار استعداداً لمرحلة أخرى.
فقد عرف المغرب أسماء بدت في لحظات معينة جزءاً ثابتاً من المشهد، قبل أن تتحول إلى جزء من ذاكرته السياسية. وليس المقصود هنا المقارنة بين الأشخاص أو الظروف، بل الإشارة إلى قاعدة تكاد تكون ثابتة: لا أحد يحتكر الزمن السياسي.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان أخنوش قد انتهى سياسياً أم لا، فذلك ما ستجيب عنه الأيام القليلة المقبلة. السؤال الأهم هو ما إذا كانت التحولات الجارية اليوم تعبر عن إعادة إنتاج جديدة للنخب والتوازنات، كما حدث في محطات عديدة من تاريخ المغرب السياسي.
وختاما يمكن القول أن التاريخ إن كان يعيد نفسه فهو لا يعيده بالحرف والنقطة، فكثيراً ما يعيد نفسه في صور وأشكال جديدة. ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ذاته الذي فرض نفسه بالأمس: هل نحن أمام نهاية رجل، أم أمام نهاية مرحلة؟ وفي انتظار أن تتضح الصورة، يبقى درس السياسة الأبرز أن لا أحد يحتكر الزمن السياسي، وأن لكل مرحلة رجالها، ولكل صعود سقف، ولكل نفوذ حدود، مهما بدا في لحظة من اللحظات قوياة أو عصية على التراجع.