المشهد السياسي المغربي.. بين هندسة التوازنات وصعوبة التنبؤ!
نادية الصبار
مديرة موقع دنا بريس
هل ما زالت السياسة في المغرب قابلة للقراءة وفق منطق الأغلبية والمعارضة كما هو الحال في الديمقراطيات الكلاسيكية؟ وهل تسمح التجارب السياسية المتعاقبة باستشراف مآلات المشهد الحزبي والانتخابي، أم أن خصوصية النموذج المغربي تجعل من التنبؤ مغامرة غير مضمونة النتائج؟
قد يبدو هذا السؤال مشروعاً في سياق يطغى عليه نوع من العزوف السياسي واللامبالاة لدى فئات واسعة من المواطنين. غير أن هذا العزوف لا يرتبط بالضرورة برفض السياسة أو بفقدان الثقة في المؤسسات، بقدر ما يرتبط أحياناً بإحساس عام بالاستقرار، وبقناعة راسخة لدى جزء من المغاربة بأن الدولة، بمؤسساتها الأساسية، تواصل أداء وظائفها بغض النظر عن الحزب الذي يقود الحكومة. ولعل المثل الشعبي القائل: “تمشي حكومة وتجي حكومة… عاش الملك” يعكس جانباً من هذه النظرة المتجذرة داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، يذهب الأنثروبولوجي المغربي حسن رشيق، في عدد من أعماله حول الدولة والرمزية السياسية، إلى أن العلاقة بين المغاربة والمؤسسة الملكية لا تقتصر على البعد السياسي أو الدستوري، بل تمتد إلى أبعاد رمزية وتاريخية وثقافية متجذرة في المخيال الجماعي، وهو ما يسهم في تفسير استمرار حضور المؤسسة الملكية باعتبارها مرجعاً للاستقرار ووحدة الدولة، حتى في فترات التوتر أو ضعف الأداء الحكومي.
ورغم أن المتابع للمشهد السياسي المغربي قد يمتلك قدراً من المعرفة بخفايا الحياة الحزبية وبتوازنات السلطة ومراكز التأثير، فإنه يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام حالة من الترقب تشبه تلك التي يعيشها المواطن العادي؛ فالمشهد السياسي المغربي دأب على مفاجأة الجميع، وأثبت أكثر من مرة أنه عصي على القراءات الجاهزة.
فمنذ تجربة التناوب التوافقي وما رافقها من رهانات الإصلاح والانفتاح، مروراً بصعود التيار الإسلامي إلى قيادة الحكومة في أعقاب حراك سنة 2011، ثم استمراره لولايتين متتاليتين، وصولاً إلى الانهيار الانتخابي الكبير لحزب العدالة والتنمية سنة 2021، بدا واضحاً أن قواعد اللعبة السياسية في المغرب لا تخضع دائماً لمنطق التراكم الانتخابي وحده.
لقد اعتقد كثيرون أن حزب العدالة والتنمية نجح في ترسيخ موقعه كقوة سياسية قادرة على الاستمرار لسنوات طويلة، غير أن نتائج انتخابات 2021 جاءت مخالفة لمعظم التوقعات، لينتقل الحزب من قيادة الحكومة إلى حضور برلماني محدود.
مع أنه خلال فترة قيادته للحكومة، اتخذ، أي؛ حزب العدالة والتنمية قرارات كبرى كان من الصعب تصور صدورها عن حزب ذي مرجعية إسلامية، وفي مقدمتها استئناف العلاقات مع إسرائيل، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متعددة بشأن حدود الفعل الحزبي وطبيعة التوازنات التي تحكم القرار السياسي.
ويمكن قراءة هذا التحول في ضوء التحليلات التي قدمها عالم السياسة جون واتربوري، والذي رأى أن استقرار النظام السياسي المغربي ارتبط تاريخياً بالحفاظ على توازنات تحول دون تشكل قطب سياسي مهيمن، بما يبقي المؤسسة الملكية في موقع الحكم بين مختلف الفاعلين السياسيين ويحد من احتكار أي طرف لمراكز النفوذ.
واليوم، ومع اقتراب استحقاقات جديدة، يتكرر السؤال نفسه بشأن حزب التجمع الوطني للأحرار؛ فالحزب الذي تصدر المشهد السياسي في الانتخابات الأخيرة يجد نفسه في مواجهة تحديات مرتبطة بالحصيلة الحكومية، وبسياق اجتماعي اتسم بارتفاع الأسعار وتزايد الانتظارات الشعبية.
كما أن انتقال رئاسة الحزب إلى قيادة جديدة، بينما لا يزال رئيس الحكومة يمارس مهامه، يثير تساؤلات لدى بعض المتابعين حول ما إذا كان الأمر يتعلق بإعادة ترتيب للأدوار، أم بإعداد تدريجي لمرحلة سياسية مختلفة.
غير أن محاولة فهم المشهد السياسي المغربي من خلال الأحزاب وحدها تظل مقاربة قاصرة؛ فخصوصية التجربة المغربية تقوم، في نظر عدد من الباحثين، على الحفاظ على التوازنات ومنع تشكل مراكز قوة قد تهدد الانسجام العام للنظام السياسي. لذلك ظلت الحياة الحزبية، على امتداد عقود، خاضعة لمنطق إعادة التوازن أكثر من خضوعها لمنطق الصراع بين مشاريع سياسية متعارضة.
ومن هنا يمكن تفسير ظاهرة الحكومات الائتلافية الواسعة التي تضم أحياناً أحزاباً يصعب الجمع بينها إيديولوجياً؛ ففي كثير من الحالات لا يكون الهدف إنتاج أغلبية سياسية منسجمة بقدر ما يكون الحفاظ على توازنات تسمح باستمرار الاستقرار وتوزيع المسؤولية بين عدة أطراف.
ويمكن هنا أيضاً؛ استحضار ما كتبه المفكر عبد الله العروي حول الدولة المغربية باعتبارها بنية تاريخية تمتلك منطقها الخاص واستمراريتها، بحيث يجد الفاعلون السياسيون أنفسهم مضطرين إلى التكيف مع ثوابتها أكثر مما ينجحون في إعادة تشكيلها وفق مرجعياتهم الإيديولوجية أو برامجهم الحزبية.
هذا ما يجعل المشهد السياسي المغربي أقرب إلى فسيفساء متحركة وفق الحاجة، حيث لا تكفي نتائج الانتخابات وحدها لفهم طبيعة السلطة أو اتجاهاتها؛ فالفاعل الحزبي يظل جزءاً من منظومة أوسع تتداخل فيها المؤسسات والتوازنات والاعتبارات الاستراتيجية للدولة.
وربما لهذا السبب بالذات يصعب التنبؤ بمن سيتصدر الانتخابات المقبلة. والسؤال الأهم هنا ليس من سيتصدر نتائج الانتخابات، بل ما طبيعة الأغلبية التي ستفرزها صناديق الاقتراع؟ وهل ستكون أغلبية منسجمة وقادرة على بلورة مشروع سياسي واضح، أم أغلبية هجينة تفرضها ضرورات التوازن أكثر مما تفرضها التقاطعات الفكرية والبرامج السياسية؟
في النهاية، يبدو أن سر المشهد السياسي المغربي يكمن في قدرته الدائمة على إعادة إنتاج التوازنات كلما اختلت، وعلى مفاجأة المتابعين كلما اعتقدوا أنهم أمسكوا بخيوط اللعبة كاملة. ولذلك يظل الاستشراف ممكناً، لكنه يظل دائماً مشوباً بالحذر في بلد أتقن، عبر عقود، فن إدارة التحولات دون أن يفقد استقراره.