ملتقى الثقافة العربية.. أمينة حسيم تسلط الضوء على الذاكرة الشعبية المغربية وثراء موروثها الشفهي
دنا بريس
متابعة نادية الصبار
في قراءة استحضرت غنى الذاكرة الشعبية المغربية وتعدد تعبيراتها، قدمت الإعلامية والأديبة أمينة حسيم مداخلة بعنوان «التراث الشعبي في المغرب: الحكاية والأمثال نموذجاً»، خلال الندوة الثالثة ضمن أشغال الدورة العاشرة لملتقى الثقافة، المنعقدة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، تحت شعار «التراث الثقافي بوابة الهوية ونبض الذاكرة».
وانطلقت أمينة حسيم من تصور يعتبر التراث أكثر من موروث تنتقل عناصره من جيل إلى آخر، بل حصيلة تجارب إنسانية وتراكم الحضارات، وسجل تختزن فيه الشعوب ذاكرتها وقيمها وأشكال تعبيراتها الحياتية. وفي هذا الإطار، توقفت عند تعدد مستويات التراث، المادي واللامادي والطبيعي، قبل أن تخصص حيزاً أساسياً من مداخلتها للحكاية والأمثال باعتبارهما من أبرز مكونات الذاكرة الشعبية المغربية.
وفي تناولها للحكاية الشعبية، استحضرت الإعلامية والأديبة امينة حسيم عوالم الحكي التي ارتبطت طويلاً بالجدات والأمهات، حين كان الليل يتحول إلى موعد يومي يلتف فيه الأحفاد حول الحكايات، في طقس عائلي تجاوز وظيفة التسلية إلى نقل الخبرة وتلقين القيم وتشكيل المخيال الطفولي. معتبرة أن الحكاية ليست سرداً عابراً، بل فضاء تربوياً وجمالياً تختزل فيه التجارب الإنسانية، وتُمرر من خلاله دروس وعبر في السلوك والعلاقات الاجتماعية ومواجهة تقلبات الحياة.
واستحضرت المتدخلة في هذا السياق نماذج من الحكايات المتداولة في الذاكرة المغربية، من قبيل «هاينة والغول»، و«احديدان الحرامي»، و«سميميع الندى»، و«الذيب والقنفود»، إلى جانب نماذج أخرى تعكس ثراء المخيال الشعبي وتنوع روافده اللغوية والثقافية، بين الدارجة المغربية والأمازيغية والحسانية.
أما في محور الأمثال الشعبية، فقد قدمت حسيم نماذج واسعة من التعبيرات المتداولة في المجتمع المغربي، متوقفة بشكل خاص عند حضور المرأة في المتخيل الشعبي، وكيف تناولتها الأمثال في مختلف أدوارها وعلاقاتها الأسرية والاجتماعية، بما تحمله هذه التعبيرات من صور متباينة، تتأرجح بين الإشادة بالمرأة والسخرية منها، وبين تمجيد الجمال والذكاء والحذق واستحضار التناقضات الاجتماعية المرتبطة بها.
ولم تقف المداخلة عند هذا الجانب، بل امتدت إلى أمثال تتناول العمل والتدبير وقوة الملاحظة وعزة النفس والضيافة والعلاقات الإنسانية، فضلاً عن التعبيرات المرتبطة بالمواسم الفلاحية وأحوال الطقس وأشهر السنة، بما يكشف عن قدرة المثل الشعبي على اختزال تجارب المجتمع وملاحظاته اليومية في عبارات موجزة، مشحونة بالدلالة والسخرية والحكمة.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها من كون الحكاية والمثل ليسا مجرد بقايا من ماضٍ اجتماعي انقضى، بل شكلين من أشكال التعبير عن الوعي الجمعي، ومن الشواهد على الطريقة التي راكم بها المغاربة معارفهم وتجاربهم، وحولوها إلى ذاكرة متداولة تحفظها اللغة وتعيد إنتاجها الحياة اليومية.
وفي ختام مداخلتها، شددت أمينة حسيم على ضرورة إيلاء التراث الشعبي مزيداً من العناية والتوثيق والتعريف، معتبرة أن صيانته مسؤولية جماعية لا تقتصر على المؤسسات والباحثين، بل تشمل مختلف مكونات المجتمع، ولا سيما الأجيال المتعلمة والقادرة على الإسهام في إخراج هذا الرصيد من دائرة التداول الشفهي المحدود إلى فضاءات النشر والتوثيق والدراسة.
يشار أن هذه المداخلة القيمة تندرج ضمن المحاور العلمية للدورة العاشرة لملتقى الثقافة العربية الذي تشرف عليه السيدة ياسمين الحاج رئيسة منتدى الآفاق للثقافة والتنمية، والتي اختارت لهذه الدورة شعار «التراث الثقافي: بوابة الهوية ونبض الذاكرة»، مدخلاً لاستكشاف مكونات الهوية المغربية واستحضار الذاكرة الثقافية في أبعادها المتعددة.