عبد العزيز كوكاس يكتب مرثية ساخرة لكوكب فقد المعنى في “تاريخ مختصر للعبث”
في «تاريخ مختصر للعبث: كوكب يتثاءب» تتحول السخرية إلى مساءلة فلسفية لأوهام الإنسان المعاصر
ثمة ضحك لا يصدر عن الفرح، بقدر ما يأتي من فرط الإدراك. ضحك يولد حين تتهاوى التفسيرات الجاهزة، ويكتشف الإنسان أنه أمضى قروناً يرتب أثاث العالم دون أن يسأل نفسه إن كان البيت قائماً على أرض صلبة. ذلك هو الضحك الذي يسكن كتاب عبد العزيز كوكاس «تاريخ مختصر للعبث: كوكب يتثاءب»، ويسعى لفضح هشاشة العالم، ويبرز لنا أن الإنسان كائن مأساوي بالغ الجدية في التعامل مع تفاهاته.
قد يبدو الكتاب، في قراءته الأولى، سلسلة من المشاهد الكوميدية التي تجرّ الكون إلى خشبة مسرح عبثي، حيث تتكلم الكواكب، وتحرر المجرات بلاغاتها، وتتحول الثقوب السوداء إلى شخصيات تراقب الحماقات البشرية من علٍ. غير أن وراء هذه الغرابة الفنية سؤالاً فلسفياً أكثر إقلاقاً: ماذا يبقى من الإنسان عندما تسقط عنه أوهام العظمة والسيطرة والخلود؟
إن الرهان العميق لهذا العمل وهو يصور عالما مجنونا، هو زعزعة الصورة التي رسمها الإنسان لنفسه داخل العالم. فمنذ أن توهم أنه مركز الوجود، وهو يقيس الأشياء بمقدار خضوعها لإرادته، يخترع النظريات ليطمئن إلى أنه يفهم، ويقيم المؤسسات ليقنع نفسه بأنه يتحكم، ويعلن انتصاراته على الطبيعة بينما يراكم أدوات فنائه.
لكن كوكاس يقلب المشهد. ينقل الإنسان من موقع المراقب المتعالي إلى موقع الكائن الصغير الذي تراقبه المجرات بدهشة ساخرة. فجأة، تصبح الأرض مركز الحكاية مجرد تفصيل عابر في مسرح كوني شاسع. ويتحول تاريخ البشرية، بكل حروبه واكتشافاته ومفاخره، إلى حاشية طويلة كتبها كائن لم يتعلم بعد التواضع أمام المجهول.
هنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الكتاب :كلما اتسعت المسافة بين الإنسان والكون، ازدادت وضوحاً تناقضات الإنسان مع نفسه. وليس مصادفة أن تمنح بعض النصوص صوتاً للكواكب الصغيرة والمهمشة. ففي «يوميات كوكب صغير» يبدو الجرم السماوي صورة لكل كائن يعيش على هامش القوة والاعتراف، ويكتشف أن قيمته تقاس بموقعه في خرائط النفوذ.
لا يكتب كوكاس في الحقيقة عن الفضاء الخارجي وحده، بل عن الهامش الإنساني: عن أولئك الذين لا يملكون من العالم سوى حقهم في التساؤل عما إذا كان لهم مكان فيه. ويمتد هذا القلق إلى صورة المثقف في «كوكب نوستالجيا». فالمثقف هنا كائن يعرف محدودية صوته، ويدرك أن الأفكار قد تتحول إلى طقوس، وأن الثقافة نفسها يمكن أن تصاب بالشيخوخة حين تستبدل السؤال بالتكرار. ومع ذلك، فإنه يواصل الكتابة، لأنه يرفض مصادرة حقه في البحث عن الحقيقة. وفي هذا الإصرار ما يكشف أن السخرية، مهما بدت سوداء، قد تكون الدفاع الأخير عن الحرية.
أما نص «فتوى في سرعة الضوء» فيفتح باباً آخر للقراءة. فمن وراء الطرافة التي ينشئها إخضاع قوانين الفيزياء لمنطق التحريم والمنع، يبرز سؤال الخوف من التغيير. ليست المشكلة، في العمق، سرعة الضوء، بل سرعة الأفكار حين تتجاوز الحدود التي رسمتها لها السلطات والعادات واليقينيات القديمة.
ولذلك يتجاوز الكتاب النقد السياسي المباشر إلى مساءلة بنية ذهنية أوسع: ميل الإنسان إلى تقديس ما صنعته يداه، ثم الخضوع له كما لو كان قدراً لا سبيل إلى تغييره.
غير أن القراءة تصبح أشد كثافة عندما نصل إلى حضور الفناء في النصوص الأخيرة. فالموت والانقراض امتحان ساخر لكل ادعاءات الخلود. ماذا تعني القوة إذا كان المصير واحداً؟ وما جدوى المباهاة بالإنجاز إذا كان الزمن قادراً على محو آثار أصحابه؟ يبدو كأن الكاتب يدفع سخريته إلى حافتها القصوى، حيث لا يبقى أمام الإنسان سوى الاعتراف بأنه عابر، وأن الحضارة التي أرهقت نفسها في بناء نصبها التذكارية قد تكون، من منظور الزمن الكوني، ومضة قصيرة بين صمتين. ولكن تحت هذا السواد كله تتسلل رهافة إنسانية لافتة.
فالكتاب، على الرغم من استغراقه في فضح الأوهام، لا يخلو من تعلق بالحياة. تكفي الإهداءات الشخصية التي تستحضر الحب بوصفه طاقة نجاة من عبث العالم كي ندرك أن الكاتب لا يقف خارجه موقف قاضٍ متعالٍ، بقدر ما يعيش تناقضاته، ويقاوم خيباته، ويبحث عن شيء صغير يستحق الإنقاذ وسط الخراب الكبير.
هذه المفارقة تمنح العمل عمقه الإنساني: إنه يسخر من البشرية، لكنه لا يستطيع التخلي عنها؛ ويشكك في المعنى، لكنه يواصل البحث عنه؛ ويُمعن في تصوير النهاية، لكنه يكتب كما لو أن للكلمات قدرة على تأجيل شيء منها.
ومن هنا يمكن فهم السخرية في «تاريخ مختصر للعبث» باعتبارها شكلاً من أشكال الحداد على الوعود التي لم تتحقق، حداداً على العقل حين يتحول إلى أداة للتبرير، وعلى التقدم حين يفقد وجهته الأخلاقية، وعلى الحرية حين تُختزل في شعارات، وعلى الإنسان حين يصبح أسير الصورة التي اخترعها عن عظمته. ولعل هذا ما يجعل النص قابلاً لقراءة مزدوجة: نضحك من مفارقاته الظاهرة، ثم نجد أنفسنا، بعد انطفاء الضحك، أمام أسئلة أكثر جدية مما توقعنا.
يستخدم الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس الخيال الساخر لخلخلة اليقين، ويبالغ في الصور حتى تتكشف حقائق لا تستطيع اللغة المباشرة قولها بالقوة نفسها. فالتوتر بين الإفراط الكوميدي والتأمل الفلسفي هو ما يمنح الكتاب فرادته، إنه ضحك عند حافة الهاوية، لكن صاحبه لم يكفّ بعد عن طرح الأسئلة. وقد تكون تلك هي المفارقة الأعمق: أن الكائن الوحيد الذي يعرف أنه زائل، هو نفسه الكائن الذي يصرّ على الضحك والكتابة والحب، كأن في هذه الأفعال البسيطة احتجاجاً صامتاً على المصير.