الرائدة في صحافة الموبايل

كلية الشريعة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله تفتح فضاء البحث العلمي على الخبرة القضائية وتستضيف فضيلة الأستاذ نور الدين بوستة

تواصل كلية الشريعة بفاس، التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، ترسيخ حضورها ضمن المشهد الأكاديمي الوطني من خلال انفتاحها على الكفاءات المهنية والمؤسساتية من خارج المدرجات والمختبرات، إيمانًا منها بأن الجامعة لا تقتصر وظيفتها على إنتاج المعرفة النظرية، بل تمتد إلى خلق فضاءات للحوار والتفاعل بين البحث العلمي والتجربة الميدانية.

وفي هذا السياق، استضافت الكلية فضيلة الأستاذ نور الدين بوستة، المحامي العام لدى محكمة النقض والمفتش بالمفتشية العامة للشؤون القضائية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لتأطير محاضرة علمية حول موضوع “الوساطة والصلح”، بحضور أساتذة باحثين وطلبة مهتمين بقضايا العدالة وتسوية النزاعات.

اللقاء، الذي نظم بتنسيق بين ماستر القضاء والتوثيق وماستر قضاء الأسرة وماستر المساعدة الاجتماعية والقانون، لم يكن مناسبة لاستعراض المقتضيات القانونية المؤطرة للوساطة والصلح فحسب، بل شكل لحظة أكاديمية للتفكير في التحولات التي تعرفها منظومة العدالة المغربية، خاصة في ما يتعلق بتعزيز آليات التسوية الودية للنزاعات وتخفيف الضغط على المساطر القضائية التقليدية.

وتنبع أهمية موضوع الوساطة والصلح من كونه أصبح في صلب النقاشات المرتبطة بتطوير العدالة ورفع نجاعتها. فمع تنامي النزاعات وتعقد العلاقات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، برزت الحاجة إلى آليات قادرة على تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والمحافظة على الروابط الإنسانية، من خلال تشجيع الحلول التوافقية التي تقوم على الحوار وتقريب وجهات النظر بدل منطق الغلبة والخصومة الممتدة.

ومن هذا المنطلق، أتاح اللقاء للطلبة والباحثين فرصة الاطلاع على تجربة مهنية راكمها المتدخل داخل إحدى أهم مؤسسات العدالة داخل المملكة، حيث استعرض الأبعاد القانونية والمؤسساتية للوساطة والصلح، وتوقف عند التطور الذي عرفه التشريع المغربي في مجال الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، إلى جانب ما تطرحه هذه الآليات من رهانات عملية مرتبطة بالتنزيل والتفعيل.

وتكتسب مثل هذه المبادرات قيمتها العلمية من طبيعة المتدخلين الذين تستضيفهم الجامعة. فحين ينتقل قاض ومسؤول قضائي راكم سنوات من الممارسة والخبرة إلى فضاء البحث والتكوين، تصبح المعرفة أكثر التصاقًا بالواقع، ويتحول المدرج الجامعي إلى فضاء لتبادل التجارب والخبرات وطرح الأسئلة التي لا تجد أجوبتها دائمًا بين دفتي الكتب والمراجع.

كما عكس النقاش الذي أعقب المحاضرة مستوى الاهتمام الذي يبديه الطلبة والباحثون بقضايا العدالة البديلة، وبمستقبل الوساطة والصلح داخل المنظومة القانونية المغربية، في ظل التحولات التشريعية والمؤسساتية التي يشهدها القطاع، وما تفرضه من حاجيات جديدة على مستوى التكوين والبحث العلمي.

ويندرج هذا النشاط ضمن الدينامية العلمية التي تشهدها كلية الشريعة بفاس، إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العمومية المتخصصة في الدراسات الشرعية والقانونية بالمغرب، والتي راكمت على امتداد عقود تجربة أكاديمية أسهمت في تكوين أجيال من الباحثين والقضاة والمهنيين في مختلف مجالات العدالة والقانون. كما تعد الكلية إحدى المؤسسات التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، التي تشكل بدورها إحدى أبرز الجامعات المغربية من حيث الإنتاج العلمي وغنى مختبرات البحث وتنوع التكوينات الأكاديمية المتخصصة.

هذا وتقوم هذه الرؤية على اعتبار أن البحث العلمي لم يعد رهين المراجع والدراسات الأكاديمية وحدها، بل أصبح في حاجة متزايدة إلى الإنصات لتجارب الفاعلين والخبراء واستحضار الأسئلة التي يطرحها الواقع العملي. ومن هنا تكتسب اللقاءات العلمية من هذا النوع قيمتها، لأنها تتيح للجامعة أن تؤدي إحدى وظائفها الأساسية المتمثلة في وصل المعرفة النظرية بالتجربة المهنية، وإتاحة فضاء مشترك للتفكير في القضايا التي تشغل المجتمع ومؤسساته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد