مهرجان فاس للثقافة الصوفية.. باب المكينة وحين تستيقظ ذاكرة المكان على الذكر والسماع
الإعلامية نادية الصبار
في زمن تتسارع فيه الحياة تحت تأثير التكنولوجيا، وتتزايد فيه الضغوط التي تثقل النفس البشرية، يصبح البحث عن لحظات للسكينة والتأمل حاجة تتجاوز الترف الثقافي. من هذا المنطلق، يمكن قراءة تجربة مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، الذي اختار لدورته الثامنة عشرة شعار «الشعر الصوفي: إكسير الشفاء»، مستحضرا قدرة الكلمة والإنشاد على فتح نوافذ داخلية نحو الذات، واستعادة الصلة بما تمنحه الروح من معانٍ للحياة.
وفي حديثه عن فلسفة المهرجان، يضع مؤسسه فوزي الصقلي الشفاء الروحي في صلب هذه التجربة، معتبرا أن التظاهرة تتجاوز كونها محطة ثقافية أو فنية أو صوفية، لتصبح مساحة للاستشفاء من الأسقام العالقة بالنفس الإنسانية. ويربط الصقلي هذا التصور بما يميز العصر الراهن من قلق متزايد، في ظل الحضور الطاغي للتكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية، وما قد يصاحبه من ابتعاد الإنسان عن ذاته وعالمه الداخلي.
وفي مقابل هذا الإيقاع المتسارع، يبرز الإنشاد الصوفي، بحسب تصور الصقلي، بوصفه تجربة للشفاء الجماعي؛ تجربة يلتقي فيها الأفراد حول الشعر والصوت والإيقاع، ويتقاسمون لحظة من الإصغاء والتأمل. وحين تنتقل التجربة من المجال الفردي إلى المشاركة الجماعية، تتسع دلالاتها، إذ يصبح الفن مناسبة للتواصل الوجداني واستعادة الإحساس بالانتماء.
ولعل هذه الفكرة تجد ما يترجمها في أماسي باب المكينة، حيث يتوافد الجمهور كل ليلة، ابتداء من الثامنة والنصف، لمتابعة عروض السماع والإنشاد الصوفي، في لقاء يمتد إلى العاشرة والنصف ليلا وما بعدها في مشهد تتداخل فيه أصوات المنشدين التي تجاوبت معها أرواح الحاضرين مع صدى المكان، ويصبح فيه الحضور الجماعي جزءا من التجربة.
باب المكينة.. ذاكرة تتجاوز المكان والزمان
في الجهة الشمالية من فاس الجديد، قبالة قصبة الشراردة التاريخية، تنتصب معلمة باب المكينة، التي ارتبط بناؤها بالسلطان العلوي الشريف مولاي الحسن الأول في أواخر القرن التاسع عشر. وتحمل هذه المعلمة جانبا من ذاكرة مرحلة سعى فيها المغرب إلى تحديث مؤسساته وتطوير قدراته الصناعية والعسكرية، في سياق إقليمي ودولي اتسم بتزايد الضغوط الأجنبية.
ارتبطت دار المكينة بصناعة المعدات الحربية وإصلاحها، ضمن مشروع تحديثي سعى إلى تعزيز قدرات الدولة المغربية في مواجهة تحديات العصر. ولم يكن المكان مجرد مدخل أو معلمة معمارية، بل مثّل مرفقا ذا وظيفة صناعية وعسكرية، ارتبط اسمه بالآلة والتصنيع، وبمرحلة من تاريخ المغرب اتجهت فيها الدولة إلى استيعاب التحولات التقنية التي عرفها العالم.
غير أن حكاية باب المكينة لا تتوقف عند هذه الوظيفة. فقد اكتسب الفضاء، مع مرور الزمن، دلالات اجتماعية وثقافية أوسع في ذاكرة سكان فاس، واحتضنت ساحته أنشطة ومرافق مختلفة مثل الحياكة والنسيج وعصر الزيتون، وجعلته جزءا من الحياة اليومية للمدينة.
كما تحتفظ الذاكرة المحلية بصور عن الساحة باعتبارها مجالا للفرجة الشعبية، حيث كان الحكواتيون وبعض أشكال التعبير التقليدي يجدون باب المكينة مسرحا لعروضهم، إلى جانب أنشطة حرفية واجتماعية ارتبطت بالمكان في مراحل مختلفة. كما ارتبطت أجزاء من هذا الفضاء بمرافق للصناعات التقليدية والخدمات الاجتماعية، وهو ما يعكس تعدد الوظائف التي عرفها عبر الزمن.
من هنا، تتجاوز قيمة باب المكينة حدود تاريخه المعماري أو العسكري؛ فهو جزء من ذاكرة المدينة، بما تحمله هذه الذاكرة من تحولات في علاقة السكان بالمكان، ومن صور للحياة اليومية والأنشطة التي جعلت منه فضاء حاضرا في وجدان أجيال متعاقبة.
واليوم، حين تحتضن ساحته أمسيات مهرجان فاس للثقافة الصوفية، لا ينفصل المشهد عن هذا التاريخ المتعدد. فالمكان الذي ارتبط في مرحلة من تاريخه بالصناعة العسكرية، ثم احتفظ بحضوره في الحياة الاجتماعية للمدينة، يستقبل أصوات الشعر والسماع، ويضيف إلى ذاكرته فصلا جديدا من فصول الحياة الثقافية.
حين يحل المساء.. الساحة موعد للشفاء
مع اقتراب المساء، يبدأ الجمهور في التوافد إلى باب المكينة. وتكتسب الساحة تدريجيا حيوية خاصة، فيما تستعد الفرق المشاركة لتقديم عروضها، وتتهيأ الأجواء للقاء يجمع بين الإنشاد الصوفي والتقاليد الموسيقية المرتبطة به.
وما يستوقف في هذه الأمسيات هو الحضور الجماهيري الذي يمنح المكان حركته، ويجعل المهرجان تجربة مفتوحة على فئات متنوعة من الجمهور. فالساحة لا تستقبل متلقين يجلسون لمشاهدة عرض فني فحسب، بل تحتضن لقاءً تتقاطع فيه تجارب الحاضرين مع ما تحمله الموسيقى من معانٍ روحية وجمالية.
في هذا الفضاء التاريخي المفتوح، يصبح الإصغاء عنصرا أساسيا في التجربة. فالكلمات التي تستحضر المحبة الإلهية والتأمل في الوجود، حين تتصل بالأداء الصوتي والإيقاع، تكتسب حضورا يتجاوز معناها المباشر، وتتيح للمتلقي أن يتفاعل معها وفق تجربته الخاصة وأن يجد فيها الشفاء الذي ما فتئ مهندس التظاهرة يحدث عنه في كل كلمة او تصريح.
ويمنح الطابع الجماعي لهذه الأمسيات السماع بعدا إضافيا؛ فالتجربة التي قد تبدأ من الإصغاء الفردي تتحول إلى لحظة مشتركة، يتقاسم خلالها الجمهور الانتباه إلى الصوت والكلمة، في فضاء تتجاور فيه الذاكرة التاريخية مع التعبيرات الفني المعاصر.
وهنا تلتقي فلسفة فوزي الصقلي مع ما يتيحه المكان من إمكانات: فالشفاء الروحي، بمعناه الوجداني والرمزي، لا يرتبط فقط بما يسمعه الفرد أو يتأمله في داخله، بل قد يجد امتداده في المشاركة الجماعية، وفي الشعور بأن الفن قادر على خلق مساحة مشتركة للتواصل والتأمل.
الشعر الصوفي.. الكلمة سفر إلى الذات
يمنح شعار الدورة الحالية الشعر الصوفي مكانة مركزية، باعتباره تعبيرا أدبيا وروحيا يتصل بالمحبة الإلهية ومعرفة النفس والتأمل في الوجود. فالشعر في التجربة الصوفية لا يقتصر على بناء لغوي أو إيقاع موسيقي، بل يحمل صورا ورموزا تسعى إلى التعبير عن أحوال وجدانية تتجازز الملموس إلى المحسوس.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة أبي الحسن الششتري، الشاعر الصوفي الأندلسي، الذي تنسب إليه موشحة تتكرر فيها لازمة بصيغة قد تبدو غريبة على القارئ المعاصر، هي: «أطيب ما هْ أوقاتي، حين تَكُن مجموع مع ذاتي».
وتحيل الموشحة، في معناها العام، إلى قيمة الاجتماع بالذات والتأمل في أحوالها، وهي فكرة تتقاطع مع أحد الأبعاد التي يستحضرها شعار المهرجان: البحث عن مساحة داخلية تمنح الإنسان فرصة للإنصات إلى نفسه، بعيدا عن تسارع الحياة اليومية.
وعندما تنتقل هذه الكلمات إلى فضاء السماع، تتفاعل الدلالة الشعرية مع الصوت والإيقاع، ويصبح الإنشاد وسيلة لاستعادة النص في تجربة فنية حية. فالشعر الصوفي لا يُقرأ فحسب، بل يُؤدّى ويُسمع، وتتشكل علاقته بالجمهور من خلال هذا التداخل بين اللغة والموسيقى والحضور الجماعي.
ومن هنا، يكتسب الحديث عن الشفاء بعدا ثقافيا وإنسانيا؛ إذ لا يتعلق الأمر بادعاء أثر علاجي طبي للشعر أو الإنشاد، بل بما يمكن أن يتيحه الفن من عزاء وجداني، ومساحة للتأمل، وفرصة لإعادة النظر في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم المحيط به.
من التراث المحلي إلى الحوار الإنساني
من التراث المحلي إلى الحوار الإنساني تتجاوز أهمية مهرجان فاس للثقافة الصوفية استعادة الموروث الروحي المغربي، لتفتح المجال أمام التعرف على تقاليد فنية وثقافية متنوعة، من خلال اللقاء بين المجموعات المغربية والمشاركين من خلفيات مختلفة.
فالتعبيرات الصوفية، على اختلاف مدارسها وأشكالها الموسيقية، تحمل أسئلة مشتركة حول المحبة والجمال والوجود والعلاقة بالمطلق. ويمنح التقاء هذه التعبيرات في فضاء واحد فرصة للتعرف على أوجه التشابه والاختلاف، وفهم الكيفية التي استطاعت بها ثقافات متعددة أن تجعل من الشعر والموسيقى وسيلتين للتعبير عن تجاربها الروحية.
وتكتسب هذه الأبعاد أهمية خاصة في مدينة فاس، التي ارتبط تاريخها بمكانة علمية وروحية وثقافية ممتدة، وبقدرتها على استيعاب روافد متعددة ضمن نسيجها الحضاري. فالمهرجان لا يقدم التراث باعتباره ذاكرة مغلقة على الماضي، بل يضعه في سياق معاصر، يتيح للجمهور اكتشافه من جديد، ويمنحه فرصة للحوار مع تعبيرات ثقافية أخرى.
كما أن الجمع بين العروض الموسيقية واللقاءات الفكرية وورش العمل يجعل من المهرجان مجالا لتعدد طرق الاقتراب من الثقافة الصوفية، بين من يتلقاها عبر الإنشاد، ومن يستكشف أبعادها الشعرية والفكرية، ومن ينظر إليها باعتبارها جزءا من تاريخ الثقافة المغربية.
حين يضيف الحاضر فصلا جديدا إلى فاس
في باب المكينة، تتجاور الأزمنة دون أن يلغي أحدها الآخر. ذاكرة دار ارتبطت بتحديث المؤسسة العسكرية، وذاكرة ساحة احتضنت أشكالا من الحياة الاجتماعية والفرجة الشعبية، وحاضر ثقافي تستقبل فيه المعلمة جمهور مهرجان يحتفي بالشعر الصوفي والسماع والإنشاد.
وتكمن قيمة هذا التداخل في أن المكان لا يبقى أسير وظيفته الأولى، بل يكتسب معاني جديدة من خلال ما يحتضنه من أنشطة وما ينسجه الناس معه من علاقات. فالمعالم التاريخية لا تستمد حيويتها من قدرتها على حفظ آثار الماضي وحدها، وإنما أيضا من إمكان انخراطها في الحياة الثقافية المعاصرة.
ومن هذه الزاوية، تبدو أمسيات باب المكينة أكثر من موعد فني يتكرر كل مساء؛ إنها مناسبة لاستعادة الصلة بذاكرة المكان، واكتشاف ما يستطيع التراث أن يقدمه للحاضر، حين يتحول إلى تجربة مشتركة بين المؤدين والجمهور.
وحين تنتهي الأمسية وينصرف الحاضرون، تظل حكاية المكان مفتوحة على معانٍ جديدة. فباب المكينة، الذي حمل في تاريخه دلالات الصناعة والتحديث، يحتضن اليوم أصوات الشعر والسماع، ويضيف إلى ذاكرته فصلا آخر، عنوانه اللقاء بين الثقافة والإنسان، وبين ما تحفظه المدينة من ماضٍ وما تصنعه في حاضرها من حياة.