الرائدة في صحافة الموبايل

الدين الشعبي والتحرر.. لماذا يحتاج اليسار المغربي إلى قراءة جديدة للمقدس؟

هذا الدرس التاريخي يصحح خطأ فادحا وقع فيه اليسار الكلاسيكي حين اختزل كل تدين شعبي في “وعي زائف” يجب تبديده بالتنوير من فوق. فالمواطن المغربي البسيط الذي يتوق إلى العدل، والذي يستمد من قيمه الدينية إحساسا عميقا برفض الظلم وبكرامة الإنسان ورفض احتكار المال والسلطة، ليس بالضرورة أسير وعي زائف. إنه يحمل في وجدانه، دون أن يسميها كذلك، مطالب عدالة اجتماعية تلتقي جوهريا مع مطالب اليسار المثمثلة في محاربة الفساد وإنصاف المستضعفين وكسر تحالف المال بالسلطة. المهمة السياسية إذن ليست إقناعه بالتخلي عن قيمه، وإنما في مصالحة هذه القيم مع مشروع سياسي يترجمها إلى برنامج يساري ملموس للتحرر.
الفخ الذي يجب تجنبه: حين يصادر الدين لصالح الاستبداد
لكن هذا الانفتاح على الدين الشعبي كطاقة تعبئة لا يعني السقوط في النقيض، أي التماهي مع الخطاب الإسلاموي الذي حول الدين – كما تشخص أرضية اليسار الجديد المتجدد بدقة – إلى إيديولوجيا شمولية، والميتافيزيقا إلى مشروع سياسي مغلق يستولي على المجال العام باسم القداسة.
فحين يتحول الدين من ينبوع ومصدر للعدالة إلى أداة لتبرير الهيمنة، أو حين يستخدم لتغطية تحالفات الفساد والاستبداد بغطاء أخلاقي زائف، فإنه يفقد بالضبط ما يجعله قوة تحررية: صلته المباشرة بمعنى الإنصاف. هنا بالتحديد يكمن الفارق الجوهري الذي تصر عليه أرضية اليسار الجديد المتجدد: التعامل مع المسألة الدينية ومن مواقع الهجوم والنقد الفكري لا من موقع الدفاع الأعمى ولا من موقع المصادرة السياسية. اليسار لا يحارب الدين، بل يحارب من يستغل الدين لتكريس الظلم والاستبداد والفساد.
من هنا تأتي أهمية الدفاع عن العلمانية بوصفها فصلا بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، لا نفيا للدين من الحياة العامة. فصل السلطتين ليس عداء للمقدس، بل هو بالضبط ما يحمي المقدس من الابتذال السياسي، ويحمي الدولة في الوقت نفسه من الازدواجية، ازدواجية الفتوى والقانون والتناقض البنيوي الذي عانت منه لعقود. حين تحرر السلطة السياسية من الوصاية الدينية، يتحرر الدين نفسه ليعود إلى موقعه الطبيعي كمصدر للقيم لا كأداة تحكم وتكبيل.
دين حي لا دين زومبي، أفق سياسي لا نوستالجيا
يذكرنا تحليل إمانويل تود، في جانب منه، بتحذير دوركهايم من حالة اللامعيارية (الأنومي). وبأن المجتمعات التي تفقد لإطار مرجعي جماعي حاضن جامع – سواء كان دينيا أو إيديولوجيا أو منظومة قيم مشتركة أو لروابط أخلاقية – لا تصل إلى “تحرر” الفرد العقلاني ولا تنتقل تلقائيًا إلى فضاء أرحب من الحرية والعقلانية، بل تسقط في فراغ اجتماعي ينتج العدمية والتفكك ويفتح الباب إلى سيادة الشعور باللاجدوى محل المعنى المشترك واتساع النزعات الفردانية المتطرفة. هكذا يصبح الإنسان أكثر قابلية للخضوع لمنطق السوق والاستهلاك أو للانجذاب إلى شعبويات متطرفة بحثا عن انتماء بديل. هذا ما يؤدي إلى تآكل المرجعيات المشتركة إلى إضعاف التضامن الاجتماعي بوصفه اللحمة الجامعة للمجتمع.
هكذا، لا يطلب “اليسار الجديد المتجدد” من المواطن المسلم أن يختار بين إيمانه وبين مشروعه في العدالة الاجتماعية. إنه يقول له إن نفس القيم التي يستمدها من دينه -الإنصاف، رفض الظلم، كرامة الإنسان، إدانة عبودية المال – هي بالضبط ما يبني عليه مشروع سياسي يساري متجدد لا يستعير شرعيته من الدين ولا يعاديه، بل يلتقي معه في الغاية، غاية تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب الاقتصادي والإيديولوجي والسياسي الاقتصادي منها والإيديولوجي، وبناء مواطن حر ومسؤول داخل مجتمع ديمقراطي وعادل.
هذه بتركيز، هي القراءة اليسارية الجديدة للدين التي يدعو إليها تيار اليسار الجديد المتجدد بهدف إصلاح بعض من أعطاب اليسار المغربي وفي عموم المجتمعات الإسلامية. وهي ليست مصالحة انتهازية كما ليست قطيعة عدمية، وإنما، بالأساس، استعادة لما هو تحرري في الموروث الديني الشعبي، ووضعه في خدمة مشروع سياسي يعيد للمواطن المغربي – الذي ليس بالضرورة أسير وعي زائف – مهما كانت درجة تدينه، الأمل في العدالة والكرامة.
تمارة، في 20 يوليوز 2026.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد