العقيد علي الداودي.. كيف يمكن إنكار ‘المحرقة’ وكيف يستمر التمييز بأسماء جديدة؟!
دنا بريس – نادية الصبار
“لا للكراهية، لا للإقصاء، كل إنسان مهم ويستحق الاحترام”. بهذه الكلمات المؤثرة، ختم سعادة العقيد ورئيس قسم الشؤون الإسلامية بالقوات المسلحة في بالديار الهولندية، السيد علي الداودي، كلمته ضمن فعاليات مهرجان “روح الثقافات” بمدينة الصويرة، مؤكدًا أن رسالته في الحياة كانت دائمًا الدفاع عن المستضعفين والتصدي للظلم بكل أشكاله وأيًا كان مصدره أو مسمياته.
جاء ذلك خلال معرض كلمته بمناسبة انطلاق النسخة الثالثة من المهرجان الدولي “روح الثقافات”، الذي احتضنته مدينة الصويرة يوم الجمعة على مدار ثلاثة أيام من21 إلى 23 فبراير الجاري، تحت شعار “روحانياتنا في تقاسم: بين الأخلاق والجمال”، من تنظيم جمعية شباب الفن الأصيل للسماع والتراث والزاوية القادرية بالصويرة، وبشراكة مع مؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط، ومؤسسة ماتشادو بإشبيلية.
استهل الداودي كلمته الموسومة بمشاعر إنسانية صادقة، بالتعبير عن سعادته بمشاركته في فعاليات مهرجان “روحي” بامتياز، وبزيارته للصويرة “أرض السلام”، بعيدا عن البروتوكول والرسميات، قدم شهادة صادقة على مسيرة إنسان نذر حياته للوقوف بجانب المستضعفين رغم العقبات، مستعرضا محطات مؤثرة من حياته ومشددًا على أن الإنسان، أي إنسان كان، يستحق أن يُعامل بكرامة، وأن العالم لا يمكن أن يكون مكانًا أفضل إلا بالتسامح والسلام.

أخذ العقيد علي الداودي؛ الحضور في رحلة عبر محطات من حياته من خلال “فلاش باك” خاص جدا، استعاد من خلاله مشاهد الطفولة والمراهقة التي شكلت وعيه بالعالم وكيف نعيش جميعا داخل هذا العالم. فكانت النطفة وهو في السابعة أو الثامنة من عمره، “مغربي” ينشأ في بيئة هولندية “بيضاء بالكامل”، حيث كان أحد زملائه من أصول كاريبية يتعرض للتنمر باستمرار. لم يكن “علي” يدرك معنى العنصرية، لكن إحساسه الفطري قاده لينصب نفسه مدافعا، فعوقب بدلاً من المعتدين. وهذه التجربة شكلت نواة إدراكه الأول بأن من يقف إلى جانب الضعفاء يكون مستهدفًا ومع ذلك لم يثنه ذلك عن مواصلة مسافة الألف ميل.
كبر علي، واتسع وعيه، ليجد نفسه في مرحلة المراهقة منجذبًا إلى موسيقى الريغي والكينلا، ورغم عدم استيعابه لكلماتها آنذاك، لكنه استشعر رسالتها. هذه الموسيقى، حسبه، “كانت بوابته الأولى إلى قضايا العدالة الاجتماعية، إلى رموز النضال ضد القمع والعنصرية، إلى نيلسون مانديلا وغاندي ومارتن لوثر كينغ”، الذين تحولوا إلى قادة وقدوات في مسيرة الدفاع عن حقوق الإنسان. فلم يكن الأمر عنده مجرد إعجاب، بل انتماءً فكريًا وروحيًا لهذه القيم، دفعته فيما بعد إلى أن يكون أكثر التزامًا، أكثر جرأة في مواجهة أي شكل من أشكال الظلم.
وفي هذه الرحلة، غاص بنا الداودي لمرحلة عمرية أخرى شكلت وعيه، حيث كان في السادسة عشرة حينما شاهد لأول مرة فيلم Mississippi Burning، الذي يروي مآسي العنصرية في أمريكا، وكيف يُقتل هؤلاء بسبب لون بشرتهم. كان المشهد بمثابة صدمة قلبت كيانه. كيف يمكن للإنسان أن يكون بهذا القدر من القسوة؟ كيف يمكن لمجتمع بأكمله أن يسمح بمثل هذه الفظائع؟ تساؤلات جعلته أكثر إصرارًا على رفض الكراهية بكل أشكالها، سواء كانت ضد السود، ضد المسلمين، ضد اليهود، أو ضد أي فئة بشرية.
ويواصل الداودي رحلة السرد، ومحطة أخرى وهو في الثامنة عشرة، حين قرر مع مدرسته زيارة معسكر في بلجيكا، حيث كان يُحتجز المقاومون الذين دافعوا عن اليهود ضد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية. كانت لحظة فارقة حين وقف الداودي أمام جدران المعسكر، شعر أن المكان يحمل أصوات الذين مروا من هنا، أنين الذين دافعوا عن المظلومين ودفعوا الثمن. أدرك حينها أن التاريخ يعيد نفسه وأن الكراهية تعيد إنتاج نفسها بأسماء “مستعارة”، متسائلا: كيف يمكن للبشرية أن تستمر في ارتكاب الأخطاء ذاتها؟
ومن هذه التجارب، خرج الداودي بفلسفة واضحة: الحياة لا تُبنى على الأحقاد، بل على التعاون والتآخي، ويستشهد بما علمنا إياه النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، فالإيمان عنده ليس مجرد طقس، بل التزام بمساندة المظلومين دون تمييز.
وفي ختام كلمته، أكد الداودي أن رسالته لم تتغير، ولن تتغير: لا للكراهية، لا للإقصاء، كل إنسان مهم ويستحق الاحترام. فالعالم بحاجة إلى أن يتبنى هذه القناعة، لا بالشعارات، بل بالأفعال. والصويرة، بهذا المهرجان الذي يجمع الأديان والثقافات، تثبت أن التعايش ليس حلمًا بعيد المنال، بل واقعًا يمكن أن نصنعه معًا.